التعاونيات.. حلقة الوصل بين المزارع والتكنولوجيا
كتبت – حنان إبراهيم
تتجه الزراعة المصرية إلى معادلة جديدة لا تعتمد على زيادة المساحات وحدها، وإنما على إنتاج أكبر من كل فدان وكل متر مكعب من المياه وتفرض محدودية الموارد المائية التوسع فى الرى الحديث، واستنباط أصناف عالية الإنتاجية وأقل استهلاكًا للمياه، إلى جانب توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى والزراعة الرقمية.
قال الدكتور سعد نصار، محافظ الفيوم الأسبق ورئيس الجمعية المصرية للاقتصاد الزراعى وأحد المشاركين فى وضع استراتيجية مصر 2030، إن القيادة السياسية تولى قطاع الزراعة اهتمامًا خاصًا باعتباره إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد، حيث يساهم بنحو 17 % من الناتج المحلى الإجمالي، و22.5 % من إجمالى الصادرات السلعية، ويستوعب نحو 25 % من قوة العمل.
وتتمثل أبرز مستهدفات الدولة فى زيادة الإنتاج الزراعى أفقيًا ورأسيًا، وتحقيق درجات أعلى من الاكتفاء الذاتى من المحاصيل الاستراتيجية، وزيادة الاستثمارات الزراعية، وتنفيذ مشروعات قومية كبرى للتوسع والاستصلاح.
وتشمل هذه المشروعات 1.5 مليون فدان ضمن مشروع الريف المصرى الجديد، ونحو 500ألف فدان فى سيناء، والدلتا الجديدة التى تستهدف التوسع من نحو نصف مليون فدان إلى 2.2 مليون فدان، إلى جانب مشروع توشكى الذى تصل المساحات المستهدفة فيه إلى نحو 540 ألف فدان.
تفرض محدودية الموارد المائية ضرورة إعادة استخدام المياه وترشيد استهلاكها، حيث يقدر إجمالى الموارد المتاحة بنحو 60 مليار متر مكعب سنويًا، مقابل طلب يقترب من 80 مليار متر مكعب، وفق تقديرات نصار.
وتعمل الدولة على سد جانب من الفجوة من خلال معالجة وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، رغم ارتفاع تكلفة هذه المشروعات؛ إذ بلغت تكلفة محطة معالجة مياه مصرف بحر البقر نحو 18 مليار جنيه بطاقة سنوية تصل إلى قرابة 2 مليار متر مكعب.
كما يجرى تنفيذ مشروع معالجة مياه مصرف الحمام بطاقة تصل إلى 6 مليارات متر مكعب سنويًا وبتكلفة تقدر بنحو 80 مليار جنيه، لاستخدام المياه المعالجة فى مشروعات الدلتا الجديدة بعد خلطها بمصادر المياه العذبة والجوفية.
كما تستهلك الزراعة نحو 80 % من الموارد المائية، ما يجعل تطوير نظم الرى أحد المحاور الرئيسية لزيادة كفاءة استخدام المياه.
وأكد نصار أهمية تطبيق نظم الرى الحديثة فى جميع الأراضى الجديدة، مع التحول التدريجى من الرى بالغمر إلى الرى الحديث فى الأراضى القديمة، أو تطوير نظم الرى السطحى بها، مشيرًا إلى أن تحديث الرى لا يقتصر أثره على توفير المياه، بل يمتد إلى رفع الإنتاجية والجودة وخفض تكاليف الإنتاج وزيادة صافى دخل المزارعين.
من جانبه، قال الدكتور جمال صيام، أستاذ الاقتصاد الزراعى بكلية الزراعة جامعة القاهرة، إن الرقعة الزراعية الحالية تقترب من 9.8 مليون فدان، وتستهلك نحو 61.6 مليار متر مكعب من المياه، بما يمثل نحو 76 % من إجمالى الموارد المائية.
وأضاف أن استكمال مشروعات التوسع الأفقى يمكن أن يضيف نحو 4 ملايين فدان، لترتفع الرقعة الزراعية إلى نحو 13.8 مليون فدان، بزيادة تقدر بنحو 41 %، مشيرًا إلى أن هذه المساحات ستحتاج، وفق متوسط 4 آلاف متر مكعب للفدان، إلى نحو 16 مليار متر مكعب من المياه سنويًا.
وتجعل هذه الاحتياجات التقدم التكنولوجى ضرورة لتجنب زيادة الضغط على الموارد المائية، خاصة مع التوقعات بارتفاع عدد السكان خلال العقود المقبلة.
يرى صيام أن استخدام الرى بالتنقيط والرش يمكن أن يساهم فى ترشيد استهلاك المياه بنسبة 30 إلى 40 %، فيما تشير بعض التطبيقات إلى إمكانية الوصول إلى نسب أعلى وفق نظم الإدارة والتقنيات المستخدمة.
وأيضا تتسع دائرة التكنولوجيا لتشمل الذكاء الاصطناعي، والطائرات بدون طيار، وأجهزة الاستشعار، ونظم تحديد المواقع «GPS»، بما يدعم الزراعة الدقيقة ويوجه المياه والأسمدة إلى احتياجات النبات الفعلية، ويرفع الإنتاجية ويقلل الفاقد.
وتشمل الأدوات الحديثة كذلك استنباط أصناف مقاومة للجفاف والملوحة والآفات، والميكنة الزراعية، والزراعة المحمية، والزراعة بدون تربة، إلى جانب ممارسات بسيطة مثل الزراعة على مصاطب والرى الليلي، بما يساهم فى تقليل فاقد المياه.
كما لفت «صيام» إلى أن جهود البحث العلمى أسهمت فى تحقيق قفزات بإنتاجية القمح من خلال استنباط أصناف جديدة وتطبيق أساليب الرى الحديثة، موضحًا أن تكنولوجيا أصناف القمح ساهمت فى توفير ما يعادل احتياجات 4.2 مليون فدان فى موسم واحد، ونحو 8.9 مليار متر مكعب من المياه سنويًا.
تستهدف استراتيجية التنمية الزراعية المستدامة 2030 زيادة إنتاج السلع التى تحقق مصر فيها اكتفاءً ذاتيًا أو فائضًا للتصدير، بما يدعم نمو الصادرات الزراعية بمعدل 15 إلى 20 % سنويًا، إلى جانب تقليص فجوة السلع التى تعانى عجزًا.
وتستهدف الاستراتيجية رفع الاكتفاء الذاتى بحلول 2030 إلى نحو 65 % للقمح، و65 % للحوم الحمراء، و60 % للزيوت، و100 % للسكر.
شدد صيام على أن التعاونيات الزراعية تمثل حجر الزاوية فى تحديث القطاع، من خلال نشر التكنولوجيا وخفض تكلفتها ودعم صغار المزارعين، وربطهم بالبحث العلمى والإرشاد الزراعى والأسواق.
وتكتمل المنظومة، وفق رؤيته، بزيادة الإنتاج الحيوانى والداجنى والسمكي، وتنويع مصادر الاستيراد، والحفاظ على مخزون استراتيجى من السلع الأساسية يكفى من 4 إلى 6 أشهر، إلى جانب تطوير الصوامع التى رفعت السعات التخزينية للقمح من نحو 1.4 مليون طن عام 2011 إلى 5.5 مليون طن حاليًا، بما ساهم فى الحد من فاقد التخزين.
وتتحرك الزراعة المصرية بذلك على مسارين متوازيين زيادة الرقعة الزراعية من ناحية، وتعظيم إنتاجية الأرض والمياه من ناحية أخري، لتصبح التكنولوجيا والرى الحديث والبحث العلمى أدوات رئيسية لتحقيق الأمن الغذائى وتعزيز القدرة التنافسية للصادرات الزراعية.









