يتصدر اسما دونالد ترامب وفولوديمير زيلينسكى أحاديث جائزة نوبل للسلام مع اقتراب إعلان الفائز فى 9 أكتوبر، ويغيب عن العناوين من يعملون فى صمت لخدمة العالم والإنسانية. ورغم ان أسواق المراهنات والتحليلات الإعلامية تتجه نحو الأسماء الأكثر حراكاً وجدلاً، غير أن هذه المراهنات تغفل حقيقة رئيسية، وهى أن لجنة نوبل لا تعلن رسمياً عن أسماء المرشحين الـ 287 هذا العام، وأن العمل الحقيقى لبناء السلام غالباً ما يصنع بصمت بعيدا عن أضواء الشاشات.
تتضح المعايير بالعودة إلى وصية ألفريد نوبل، التى ركزت على تعزيز الأخوة بين الأمم، والحد من الجيوش، ودفع مؤتمرات السلام، أى قياس الأثر العملى المستدام لا الحجم الإعلامي.
عند تقييم ترشيح الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، نجد إنجازاً دبلوماسياً موثقاً تتمثل إحدى محطاته فى اتفاق غزة الذى أُبرم بوساطة مصرية أمريكية قطرية تركية، وأثمر عن الإفراج عن رهائن ومحتجزين. غير أن الجائزة تقيم المسيرة الكلية للمرشح، إذ يضعف ملفه نشوب الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران فى فبراير 2026، والاتهامات الموجهة لواشنطن بانتهاك القانون الدولى وفق تقارير حقوقية. وبحسب معايير اللجنة، فإن التناقض بين تحقيق نجاح فى ملف والتورط فى نزاع بملف آخر قد يزن أكثر من الإنجاز نفسه.
فى المقابل، يظل حق أوكرانيا فى الدفاع عن نفسها مكفولاً بالقانون الدولي، لكن ترشيح رئيسها فولوديمير زيلينسكى يواجه إشكالية منهجية، فمنح الجائزة لقائد دولة يخوض حرباً مفتوحة قد يفسر سياسياً كاصطفاف مع أحد أطراف النزاع، بينما ترجح سوابق الجائزة منحها لمن يقرب بين الخصوم ويبنى جسور الحوار.
إن البناء الحقيقى للسلام يتطلب الجهد الدءوب الذى تقوم به مؤسسات مثل محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية لصون القانون الدولي، ولجنة حماية الصحفيين لتوثيق الحقيقة، ومنظمة «أنقذوا الأطفال» وغرف الاستجابة للطوارئ فى السودان لحماية المدنيين وإغاثتهم دون حسابات سياسية.
وهنا يبرز السؤال، هل يمكن للدور الدبلوماسى والإنسانى للقاهرة أن يمثل نموذجاً يستحق التواجد فى دائرة اهتمام البحث عن صناع السلام؟
عند تقييم الدور المصرى كدولة ووسيط بمعزل عن الخطاب الدعائي، تظهر الوقائع الموثقة مساهمة مصرية ملموسة، بدءا من استضافة مفاوضات شرم الشيخ وتوقيع وثيقة الضمانات لاتفاق غزة بالتعاون مع الشركاء، مروراًً بالوساطة الإقليمية للحد من التصعيد الإيراني، وصولاً إلى استضافة نحو 1.5 مليون لاجئ سودانى يحيون بين المواطنين لا فى مخيمات، والمشاركة فى جهود «الرباعية» لطرح هدنة إنسانية بالسودان، والحد من تفاقم الصراعات فى ليبيا وأمن البحر الأحمر.
غير أن لهذا الملف حدوده الموضوعية، فالوساطة لا تكتمل بطرف واحد، والتقدم فى غزة والسودان يواجه تحديات ميدانية معقدة، فضلا عن تحمل مصر كلفة اقتصادية باهظة تقدر بمليارات الدولارات جراء تضرر الملاحة فى قناة السويس. وتؤكد هذه المعطيات أن التقييم العادل ينبغى أن ينطلق من النتائج العملية والتحديات الواقعية التى تواجهها الوساطة المصرية.
إن عملية صنع السلام تتعدى مجرد توقيع الاتفاقيات أمام العدسات، لتمتد إلى فتح معبر إنساني، أو ايصال شحنة غذاء، أو إبقاء قناة اتصال مفتوحة بين أطراف متصارعة. ولعل جائزة نوبل للسلام لعام 2026 بحاجة إلى الالتفات نحو جوهر السلام الذى يبنى على الأرض، وتكريم من يجعلون السلام ممكنا ويبقونه حياً، بدلاً من مكافأة الضجيج السياسي.









