- الإسرائيليون تعاملوا بصلف مع مبادرة السادات فى فبراير 1971
السادس من أكتوبر سنة 1973، هو يوم الانتصار العظيم في تاريخنا الحديث والمعاصر كله، وهو أيضًا يوم تحقق وزهو الوطنية المصرية.
ولن نمل من القول إن انتصار أكتوبر 73 هو أول انتصار كبير يحققه الجيش المصري منذ انتصارات إبراهيم باشا زمن الوالي العظيم محمد علي، في النصف الأول من القرن التاسع عشر. أفزعت تلك الانتصارات الدول الأوروبية الكبرى وقتها، تحديدًا بريطانيا وفرنسا، بل روسيا أيضًا. لم يتصوروا أن يصبح الجيش المصري بهذه القوة التي مكنته من أن يطرق أبواب القارة العجوز، لكن رغم هذا يظل انتصار أكتوبر أكثر حميمية وأشد أهمية لنا، إذ كانت الحرب دفاعًا عن التراب المصري الخالص، حربًا لتحرير سيناء.
غيرت الحرب موازين القوى في المنطقة، بل في العالم. الحكومة الإسرائيلية تعاملت بصلف تام مع مبادرة الرئيس السادات في فبراير 1971. كانت المبادرة تدعو إلى انسحاب القوات الإسرائيلية عدة كيلومترات من شاطئ القناة، ليتم إعادة الملاحة. تجاهلت إسرائيل المبادرة تمامًا؛ كانوا يحتمون وراء خط بارليف وقوتهم الحربية.
بعد النتصار، هم الذين طلبوا التفاوض، وراحوا يتحدثون عن السلام مع مصر ومع العرب.
قبل الحرب بعام، وفي اتصال بين الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون والسوفيتي ليونيد بريجنيف في جنيف، تم الاتفاق على تهدئة الأجواء في منطقة الشرق الأوسط. كان الانشغال وقتها بإنهاء حرب فيتنام، وكان نيكسون يستعد للانشغال بالصين، وكانت روسيا قد اتجهت إلى أنه لا أمل في أن تحارب مصر، خاصة وأن كل أسلحتها لدينا دفاعية وليست هجومية، بما يعني بقاء الحال على ما هو عليه هنا: تبقى إسرائيل تحتل أرضنا وتستغل سيناء. الأمر الذي أصاب السادات وقتها بشيء من الإحباط.
لكن مع الانتصار، انتبهت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي إلى المنطقة. جاء رئيس الوزراء السوفيتي إلى القاهرة، وسارعوا بإرسال أسلحة جديدة، من بينها صواريخ قادرة على دخول العمق الإسرائيلي، لذا قال الرئيس السادات في خطابه الشهير في مجلس الشعب يوم 16 أكتوبر للإسرائيليين: «العمق بالعمق».
الإدارة الأمريكية دفعت إلى المنطقة بوزير الخارجية هنري كيسنجر للعمل على التخفيف من حدة الالتهاب. قال كيسنجر للسيدة جولدا مائير: «لا تنسي أنك مهزومة».
هُزمت إسرائيل رغم أن مخازن الأسلحة والذخائر الأمريكية فُتحت أمامها.
ورغم هذا الانتصار العظيم، فقد تعرض الرئيس السادات للكثير من الهجمات والانتقادات بسبب قرار تفاوض فض الاشتباك الأول. بعض المحللين والمفكرين، مثل الراحل جمال حمدان، وعدد من السياسيين، مثل العقيد القذافي، تصوروا أن الحرب سوف تستمر حتى تصل القوات المصرية إلى تل أبيب، ولما لم يحدث ذلك الذي توقعوه، هاجموا الرجل.
ولو أنهم قرأوا التوجيه الاستراتيجي الموجه إلى القائد العام للقوات المسلحة، لأدركوا أن قواتنا نفذت ما كُلّفت به على أعلى مستوى.
الإنجاز الكبير الذي حققه الجيش المصري أبهر الخبراء العسكريين حول العالم. إزالة الساتر الترابي الضخم على طول القناة وتدمير خط بارليف في ست ساعات هزّا الكثير من النظريات العسكرية الراسخة.
كان التقدير العالمي أن الساتر يحتاج قنبلة نووية تفوق في قوتها التدميرية قنبلة هيروشيما، لكن العبقرية المصرية أزالته بخراطيم المياه.
قرار الحرب اتخذه الرئيس محمد أنور السادات بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة. كان القرار تكليفًا للقوات المسلحة والقائد العام، الفريق أول أحمد إسماعيل علي، لكن قبل ذلك كله كان هناك تكليف من الشعب المصري للقيادة السياسية، منذ هزيمة يونيو 67، بضرورة الحرب وتحقيق النصر، ردًا للكرامة واستعادة الهيبة الوطنية، ثم تجدد التكليف مع الرئيس السادات.
التكليف من الشعب واستجابة القيادة السياسية كانا في توقيت وظروف بالغة الصعوبة. ولما بدا في عامي 1971 ثم 1972 أن هناك تباطؤًا في الاستجابة، كانت مظاهرات الطلبة في 1972، وكانت غضبة المثقفين، كما عبر عنها بيان توفيق الحكيم ونجيب محفوظ.
والحق أنه لم يكن تباطؤًا بقدر ما كان المزيد من الاستعداد.
كانت العديد من المؤشرات الدولية تدفع مصر إلى تجنب قرار الحرب. أولًا، ضخامة الاستعداد والقدرات العسكرية الإسرائيلية، مع انتشار أسطورة أن الجيش الإسرائيلي لا يُقهر؛ أسطورة روجت لها الصحافة الإسرائيلية والدولية بعد النصر الخاطف والسريع الذي تحقق لهم في يونيو 67.
كان الترويج لتلك الأسطورة يستهدف شل التفكير المصري والعربي عن محاولة التفكير في إمكانية خوض الحرب، حتى إن بعض العبارات نُسبت إلى جولدا مائير، رئيسة وزراء إسرائيل آنذاك، بأنها قالت إن المصريين أمامهم ليس أقل من أربعين عامًا حتى يفكروا في خوض الحرب مجددًا، وانتشرت مقولة موشي ديان، وزير الدفاع الإسرائيلي، إنه يجلس إلى جوار التليفون ينتظر مكالمة من الرئيس جمال عبدالناصر للاستسلام.
والحق أننا لم نحارب في سنة 1967. حدث الهجوم المباغت في صباح الخامس من يونيو، ثم أصدر المشير عامر قرار الانسحاب.
سياسيًا، كان يجب تجنب التصعيد الذي بدأ في مايو 1967، ذلك أننا لم نكن في أفضل حالاتنا. ذلك أنه في عام 1966 وقع حادث جلل خارج مصر، وكان يجب الانتباه جيدًا، والذي حدث أن طيارًا عراقيًا أمكن لجهاز الموساد اختراقه وتجنيده. كان الطيار المتميز يعاني من مشكلة في مساره القيادي، ومن هذه النقطة التقطه عنصر للموساد. في النهاية قاد طائرة الميج 21، وهبط بها في مطار حربي إسرائيلي.
هكذا صارت الطائرة المقاتلة الأولى والأقوى لدى الجيوش العربية في يد إسرائيل. باختصار، صار سلاحنا الجوي مكشوفًا تمامًا للعدو، وكان تعويض هذا الجانب بسلاح أقوى وأحدث يحتاج عدة سنوات على الأقل.
سياسيًا، لم ننتبه إلى هذه الثغرة، فضلًا عن أمور أخرى عديدة في الداخل والخارج، ودفعنا الثمن فادحًا وغاليًا، ولم يكن للشعب المصري أن يقبل بأقل من الرد القوي على ما جرى.
طالب الشعب بضرورة الحرب، وكان الكل يدرك مسؤولية الحرب ومعناها: التقشف في المطالب والاستهلاك، والرضا والقبول بما هو متاح ومقدر لنا. وجبة لحوم مرة في الأسبوع، والملابس من المنتجات المصرية. لم نكن نعرف ظاهرة «البراندات» التي يتباهى الكثيرون بها، إلى جوار ذلك زيادة العمل والإنتاج.
المحاصيل الزراعية تضاعفت في الفترة من 1967 وحتى 1973، حتى معدلات الجرائم تراجعت كثيرًا. كانت الأمة كلها إزاء تحدٍّ لوجودها وكبريائها.
ولما رحل الرئيس عبدالناصر، انتقل التكليف تلقائيًا إلى الرئيس السادات، حتى تحقق النصر الكبير يوم السادس من أكتوبر.
بعد تحقيق النصر، دار لغط شديد حول مجد المعركة والانتصار: لمن؟
البديهة تقول إن الفخار لمن صنعوا النصر، أبناء المصريين في القوات المسلحة وقادتهم، وكذا الشعب الذي ساند وبقوة، ولم يختلف أحد في ذلك، لكن الشياطين تكمن في التفاصيل.
خصوم السادات سياسيًا استكثروا عليه مجد النصر، فنسبوا الانتصار إلى الرئيس عبدالناصر، حتى قال بعضهم: «حرب أكتوبر انتصار حققه عبدالناصر وهو ميت».
ولا أحد ينكر الدور الضخم الذي قام به عبدالناصر في إعادة بناء القوات المسلحة بعد يونيو 67 وإعادة تسليح الجيش، فضلًا عن عمليات التدريب المتواصلة.
الأهم من كل ذلك هو خوض حرب الاستنزاف، التي تسمى حرب الألف يوم. كانت هذه الحرب فرصة لقواتنا في استعادة الثقة، ودرسًا للعدو أن الصفحة لم تُطوَ.
يتحدث خصوم السادات أيضًا عن خطة للعبور تعود إلى أيام عبدالناصر، وبغض النظر عن التفاصيل، كان لابد للقوات المسلحة المصرية أن تكون لديها خطط للمواجهة وتحرير سيناء، هذا أمر بديهي، ولكن مسؤولية الحرب تقع في المقام الأول على من اتخذ قرار الحرب، صاحب الطلقة الأولى هو الذي يتحمل المسؤولية، المجد والفخار في حالة النصر، واللوم أو المحاسبة، وربما المحاكمة، في حالة الإخفاق.
بعد الانتصار في حرب أكتوبر، جرت تحقيقات في الجانب الآخر، الجيش الإسرائيلي، حول المسؤولين عن هزيمتهم. أُقيل عدد من القادة، على رأسهم موشي ديان، وزير الدفاع، الذي كان نجمًا هناك بعد حرب 67.









