من أهم ما خرجت به من مؤتمر «الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة»، الذى انعقد تحت رعاية فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسى فى مكتبة الإسكندرية، أن قضية الهوية الوطنية لا يمكن أن تُبنى بخطاب واحد، ولا أن تُترك لمؤسسة واحدة، وإنما تبدأ منذ الطفولة، وتتكون عبر سنوات التعليم والأسرة والثقافة والدين والمجتمع.
أعتقد أن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نطلب من أبنائنا أن يحبوا وطنهم دون أن نمنحهم فرصة حقيقية لفهمه ومعرفته والارتباط به.
فالطفل الذى نريد أن نحمى هويته، علينا أولاً أن نعرّفه بتاريخ وطنه، وثقافته، وحضارته، ولغته، وقيمه، وأن نجعله يرى هذه الأشياء فى حياته اليومية، لا أن يحفظها فقط استعدادًا للامتحان.
هنا توقفت أمام ملاحظة تكررت خلال جلسات المؤتمر من عدد من الطلاب: أنهم لا يتذكرون شيئًا تقريبًا مما درسوه فى التاريخ أو التربية الوطنية، وأن كثيرًا منهم كان يعتمد على الحفظ من أجل الامتحان ثم ينسى ما حفظه.
وهذه ليست ملاحظة عابرة.
فإذا كان الطالب لا يتذكر تاريخ وطنه بعد سنوات من دراسته، فعلينا أن نسأل أنفسنا: هل المشكلة فى الطالب، أم فى الطريقة التى قدمنا بها له المعرفة؟
أعتقد أن الإجابة تستحق أن تكون بداية لإعادة التفكير فى أسلوب التعليم نفسه.
نحن لا نحتاج فقط إلى تغيير محتوى المناهج، وإنما نحتاج إلى تغيير فلسفة التعليم: من الحفظ إلى الفهم، ومن التلقين إلى الحوار، ومن الكتاب وحده إلى التجربة، ومن المعلومة المجردة إلى الممارسة.
لماذا لا يتعلم الطالب التاريخ من خلال زيارة الأماكن التاريخية؟ ولماذا لا تتحول التربية الوطنية إلى مشروعات لخدمة المجتمع والعمل التطوعي؟ ولماذا لا نسمح للطالب بأن يناقش ويسأل ويختلف ويبحث، بدلاً من أن يكون مطلوبًا منه أن يحفظ الإجابة النموذجية؟
صحيح أن وزارة التربية والتعليم أعلنت بالفعل تطوير عدد كبير من المناهج بهدف تنمية التفكير النقدى والإبداعى وبناء شخصية الطالب، لكن التحدى الحقيقى يظل فى أن تصل هذه الفلسفة إلى طريقة التدريس والتقييم والممارسة داخل الفصل.
الأمر نفسه ينطبق على التربية الدينية، نحن بحاجة إلى أن يفهم الطفل الدين باعتباره قيمًا وسلوكًا وأمانة ورحمة واحترامًا للآخر وإتقانًا للعمل وضبطًا للنفس، وليس مجرد مظاهر أو معلومات يحفظها.
فلا معنى أن يحفظ الطفل آيات وأحاديث عن الصدق ثم يمارس الكذب، أو يتحدث عن الأمانة ثم لا يحافظ على حق غيره، أو يتعلم احترام الإنسان ثم يمارس التنمر على زميله.
الدين الذى لا يتحول إلى سلوك، والهوية التى لا تتحول إلى ممارسة، يظلان مجرد معلومات محفوظة.
من هنا تأتى أهمية الاهتمام بالجانب النفسى والسلوكى والأخلاقى للطفل والشاب.
علينا أن نسمع أبناءنا قبل أن نطلب منهم أن يسمعونا.
أن نفهم مخاوفهم وأسئلتهم واحتياجاتهم، وأن نمنحهم مساحة آمنة للحوار.









