«يا عم سيبه ياكل عيش».. عبارة طالما رددناها بتلقائية وعاطفة جياشة دفاعاً عن بائع متجول، أو مخالف لاشغالات الطريق، أومتعدٍ على حرمة الشارع العام. تبدو العبارة فى ظاهرها إنسانية نبيلة، تفيض بالتعاطف مع الكادحين والباحثين عن لقمة العيش بشرف. لكننا، ودون أن ندري، نكرس بهذه العبارة لمجتمع يرحب بالمخالفات، ويضعف هيبة القانون، ويغض الطرف عن الفوضى تحت سمى «الغلابة».
خذ مثلاً ما يتردد على الألسنة حين توجه محافظة القاهرة، بقيادة الدكتور إبراهيم صابر، لتطهير كورنيش المقطم وإزالة التعديات، لتجد من يعترض بدعوى «ترك الناس تاكل عيش». والأمر ذاته يتكرر حين تتصدى شرطة النقل للباعة الجائلين داخل عربات مترو الأنفاق، فترتفع الأصوات متعاطفة: «دى ناس غلابةبتأكل عيش». هذا التعاطف الفطري، رغم طهره، يتحول إلى شعار مغلوط يعطل مسيرة التنمية ويشوه المظهر الحضارى لمدننا.
الرزق الحلال غاية نبيلة لا نزاع فيها، والبحث عن لقمة العيش حق أصيل لكل مواطن. بيد أن الخطأ كل الخطأ يكمن فى الخلط بين «الحق فى العمل» و«الاعتداء على حقوق الآخرين». فالشارع ليس ملكية خاصة لمن أراد إشغاله، والمترو ليس سوقاً تجارية عشوائية، والمصلحة العامة ليست قابلة للتفاوض باسم العاطفة. حين يتحول «أكل العيش» إلى تعطيل لحركة المرور، أو إعاقة لمرور سيارات الإسعاف، أو ترويع للمواطنين فى وسائل المواصلات، فإنه يفقد مشروعيته الأخلاقية والقانونية.
المجتمعات المتحضرة لا تُبنى على العشوائية، ولا تزدهر بالفوضى المنظمة. إن حب الوطن الحقيقى لا يتمثل فى تمرير المخالفات، بل فى ترسيخ سيادة القانون، وتوفير البدائل المنظمة للشباب كالأسواق الحضارية والمنافذ المرخصة. إننا بحاجة ماسة لإعادة صياغة وعينا المجتمعي، بحيث ندرك أن النظام والانضباط هما البيئة الوحيدة التى يمكن لـ «أكل العيش» أن يكون فيها كريماً ومستداماً ومستنداً إلى قواعد عادلة.
الحب الحقيقى لبلدنا لا يكون بالتعاطف السلبى الذى يهدم المؤسسات ويشجع على ارتكاب المخالفات، بل يكون بالعمل الجاد، واحترام القانون، وإدراك أن بناء الدولة الحديثة يبدأ من احترام الشارع والنظام العام. فلنعمل معاً لنبنى وطناً يتسع للجميع، حيث يعيش الكادح فى أمان، ويبقى القانون فوق الجميع بلا استثناء.









