لم تعد التكنولوجيا في القطاع الصحي رفاهية أو مجرد أدوات مساعدة للأطباء، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من قدرة الدولة على بناء منظومة صحية أكثر كفاءة وعدالة واستجابة لاحتياجات المواطنين. ومن هنا تأتي أهمية الاستراتيجية الوطنية للصحة الرقمية، التي تضع مصر أمام تحول يتجاوز ميكنة الإجراءات إلى إعادة صياغة طريقة تقديم الرعاية الصحية نفسها.
ويأتى بحث التعاون مع مجموعة «أورنج» العالمية في تنفيذ المرحلة الثانية من مشروع الصحة الرقمية، ليطرح سؤالًا جوهريًا: كيف تتحول الاستثمارات التكنولوجية إلى خدمة يشعر المواطن بنتائجها داخل المستشفى والوحدة الصحية وعيادة الطبيب؟
الإجابة تبدأ من بناء نظام صحي متكامل يضع المريض في قلب المنظومة، وتصبح فيه بياناته الطبية متاحة بشكل آمن للجهات المصرح لها، من خلال سجلات صحية إلكترونية قابلة للتشغيل البيني، وتبادل آمن للمعلومات، وقرارات طبية وإدارية تستند إلى البيانات. وهذه ليست أفكارًا منفصلة، فالاستراتيجية الوطنية للصحة الرقمية تضع بالفعل التحول الرقمي والابتكار الصحي ضمن أولوياتها، بما يشمل السجلات الإلكترونية وتكامل البيانات والتطبيب عن بُعد والذكاء الاصطناعي.
والأهم أن التحول الرقمي الصحي في مصر يتحرك على أكثر من مسار. فميكنة المنشآت الصحية تستهدف ربط المؤسسات داخل منظومة رقمية متكاملة، وإنشاء قواعد بيانات لإدارة الموارد وسلاسل الإمداد، إلى جانب رقمنة الملفات والإجراءات الطبية والإدارية. كما تعمل وزارة الصحة على بناء سجلات صحية موحدة ومنصة لتبادل المعلومات وربط المنشآت الطبية، بما يجعل البيانات أداة لتحسين الخدمة وليس مجرد أرشيف إلكتروني.
وتأتي هنا أهمية السجل الطبي الإلكتروني الموحد. فالمريض الذي ينتقل من وحدة رعاية أولية إلى مستشفى أو طبيب متخصص يجب ألا يبدأ رحلته من الصفر في كل مرة. تاريخ المرض، والأدوية، والتحاليل، والأشعات، والتشخيصات السابقة، يمكن أن تصبح جزءًا من ملف صحي رقمي متكامل، مع الحفاظ على الخصوصية والأمن وحقوق المريض في بياناته.
ولا تقف الصورة عند حدود المستشفى. فالتطبيب عن بُعد يفتح المجال للوصول إلى الاستشارات المتخصصة دون أن يضطر المواطن إلى السفر لمسافات طويلة، بينما يمكن للمستشفيات الافتراضية والذكاء الاصطناعي أن يدعما الفرز الطبي والتشخيص المبكر وتحليل الأشعات ومتابعة الحالات، بما يساعد على توجيه الموارد إلى المكان والوقت الأكثر احتياجًا.
لكن نجاح هذه المعركة لن يقاس بعدد الأجهزة أو المنصات أو الملفات التي تمت رقمنتها، وإنما بمدى تغير تجربة المواطن.









