أرى خطرا داهما يهدد بقاء الدولة الإثيوبية وتماسكها، اشتم رائحة «بلقنة كريهة» تهب من الهضبة الإثيوبية الشهيرة، ويجب أن ينتبه إليها الجميع، فما يجرى هناك يستحق المراقبة الدقيقة، ويفتح الباب أمام سؤال أكبر.. هل تواجه إثيوبيا أزمة حكم وحكومة؟ أم أنها بدأت تواجه أزمة عميقة فى بنية الدولة ذاتها، وتركيبتها ومكوناتها؟
فالدول لا تتحول إلى «بلقان» فى يوم واحد. تبدأ الحكاية عندما تصبح الهوية أقوى من المواطنة، والإقليم أقوى من المركز، والسلاح أسرع من السياسة، ثم يكتشف الجميع، بعد فوات الأوان، أن الخطوط التى كانوا يرسمونها على الخرائط الإدارية بمداد الحبر، قد تحولت إلى حدود مرسومة بقطرات الدم.
>>>
لقد قفز السؤال المدمر إلى سطح الأحداث فى بلاد الحبشة: من يملك الدولة الإثيوبية ويدير شئونها؟ المركز فى «أديس أبابا»، أم الأقاليم التى تتكون من إثنيات وعرقيات وأديان ولغات مختلفة؟ والسؤال بصيغة أوضح: من يملك القرار الإثيوبي؟ أديس أبابا أم القوميات والأقاليم؟
عندما أقارن ما يجرى فى إثيوبيا بما جرى فى يوغسلافيا فى ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، أجد أن الحالة الإثيوبية أخطر جغرافيًا من الحالة اليوغسلافية بمراحل؛ ببساطة لأنها تقع فى قلب منطقة مشتعلة ومضطربة، لا تكاد تعرف طعم الاستقرار.
إثيوبيا تجاور السودان الجريح، وجنوب السودان المنهك، وإريتريا التى تعيش وسط نيران مشتعلة من كل الاتجاهات، والصومال الذى لا يزال يصارع التفكك، وجيبوتى التى تحاول الحفاظ على توازناتها، وكينيا التى تتأثر بكل ما يجرى حولها. وترتبط إثيوبيا، كذلك، بأزمات البحر الأحمر والقرن الإفريقى وممرات التجارة الدولية فضلاً عن أزمة مياه النيل وتعنتها الواضح مع دولتى المصب، مصر والسودان
ولذلك فإن أى «بلقنة» محتملة للمسألة الحبشية لن تكون شأنًا إثيوبيًا داخليًا، وإنما ستتحول إلى زلزال جيوسياسى يصل صداه إلى البحر الأحمر والسودان والصومال وجيبوتي، وبالتأكيد إلى الأمن المائى المصري.
>>>
الدولة الإثيوبية لم تتفكك بعد، لكن إذا تُركت الأمور لتُدار بعنجهية آبى أحمد، وبغرور سياسى يتعالى على الأزمات فلابد، من احتوائها، فقد نجد أنفسنا ذات يوم أمام إثيوبيا أخري؛ ليست دولة مركزية واحدة، وإنما عدة كيانات ودول تتنازع ما كان يومًا دولة واحدة.
وقد لا يكون الحديث عن سبع دول فقط، كما حدث فى الحالة اليوغسلافية، بل ربما يمتد الأمر، نظريًا، إلى عدد أكبر إذا انفجرت التناقضات الكامنة داخل البنية الفيدرالية الإثنية
فحين تفككت يوغسلافيا، لم تستيقظ شعوبها ذات صباح لتكتشف أن دولة واحدة قد تحولت فجأة إلى سبع دول، وإنما بدأت الحكاية قبل ذلك بسنوات طويلة؛ حين ضعفت قبضة المركز، واستيقظت الهويات القومية، وتحولت الحدود الإدارية بين الجمهوريات إلى متاريس سياسية، ثم إلى خطوط نار، قبل أن تصبح، فى النهاية، حدودًا دولية.
ومن هنا يصبح من المشروع أن نسأل: هل تسير إثيوبيا، ولو من طريق مختلف، باتجاه ما يمكن أن نسميه «بلقنة المسألة الحبشية»؟ لا أقول إن إثيوبيا ستتفكك غدًا، ولا إن النموذج اليوغسلافى قابل للاستنساخ حرفيًا فى القرن الإفريقي؛ فالتاريخ لا يعيد إنتاج نفسه بهذه البساطة، لكن التشابه فى بعض مقدمات الأزمات يستحق التوقف والتأمل.
>>>
إثيوبيا دولة اتحادية بُنى نظامها الحديث على ما يُعرف بـ»الفيدرالية الإثنية»، أى إن الأقاليم ليست مجرد تقسيمات جغرافية، وإنما ترتبط، فى جانب كبير منها، بقوميات ولغات وهويات مختلفة. ولذلك، فإن الخلاف السياسى فى إثيوبيا يستطيع أن يتحول سريعًا إلى خلاف على الأرض والحدود والهوية، ومنه إلى نزاع مسلح، والمشكلة اليوم أن النار لم تعد مشتعلة فى زاوية واحدة.
فى الشمال هناك تيجراي، وهناك أزمة ثقة عميقة مع حكومة أديس أبابا، رغم اتفاق بريتوريا الذى أنهى الحرب الكبرى فى نوفمبر 2022، وقد أوقف الاتفاق إطلاق النار الواسع، لكنه لم يحل مجموعة من أخطر الملفات، وفى مقدمتها الأراضى المتنازع عليها، وعودة النازحين، ونزع السلاح وإعادة دمج المقاتلين، والعلاقة السياسية بين تيجراى والمركز. وهذه الملفات عادت، خلال الشهور الأخيرة، لتضغط بقوة على الاتفاق.
>>>
وفى أمهرة هناك «فانو»، وفى أوروميا هناك جيش تحرير أورومو، ومعهما بؤر توتر أخرى فى عفار وبنى شنقول- قمز وغيرها، أما التطور الأكثر دلالة، فهو إعلان سبع جماعات إثيوبية مسلحة ومعارضة تشكيل تحالف جديد لمواجهة حكومة آبى أحمد، وضم التحالف أطرافًا كان بعضها يقاتل بعضًا قبل سنوات، من بينها قوى تيجرانية وأورومية وأمهرية، إلى جانب أطراف من مناطق أخري.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ لأن أخطر ما يمكن أن تواجهه أى دولة متعددة القوميات ليس مجرد وجود معارضة مسلحة، وإنما أن تتلاقى خصومات تاريخية متناقضة على هدف واحد هو مواجهة المركز، فهل يستيقظ آبى أحمد من غفلته، ويخرج من مستنقع غروره، ويدرك أن إثيوبيا لا تُحكم بمنطق الغلبة وحده؟
وهل يتصور أن من ساندوه وحموه فى حرب 2020 مع تيجراى قادرون اليوم على فعل الشيء نفسه مجددًا؟
الحسابات تغيرت، والتحالفات تبدلت، والمنطقة كلها لم تعد كما كانت ومن لديه عزاء منصوب فى عقر داره، لن يجد وقتًا للذهاب لتعزية «آبى أحمد»









