لم يعد تطوير التعليم المصري قضية مرتبطة بتحديث المناهج أو زيادة عدد المدارس والفصول فقط، وإنما أصبح مرتبطا بصورة مباشرة بسرعة التغير التي يشهدها سوق العمل، خاصة مع التوسع المتسارع في الذكاء الاصطناعي والبرمجة والروبوتات والاقتصاد الرقمي، فالمهن التي سيحتاجها الاقتصاد خلال السنوات المقبلة لن تكون بالضرورة هي التي كانت مطلوبة خلال العقود الماضية، وهو ما يفرض على منظومة التعليم إعادة النظر في مفهوم «التعلم» نفسه.
وتشير تقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي في تقرير «مستقبل الوظائف 2025» إلى أن التطورات التكنولوجية، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي ومعالجة المعلومات، ستكون من أبرز العوامل المؤثرة في سوق العمل حتى عام 2030، كما يتوقع التقرير ارتفاع الطلب على مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات والأمن السيبراني والثقافة التكنولوجية، إلى جانب التفكير الإبداعي والتحليلي والقدرة على التعلم المستمر.
وفي مصر، تم إدراج مادة البرمجة والذكاء الاصطناعي لطلاب الصف الأول الثانوي العام الماضي، مع تدريسها من خلال منصة «كويرو» بالتعاون مع الجانب الياباني، بحيث تجمع بين الدراسة النظرية والتطبيق العملي، يتم التركيز فيها على الجانب العملي بشكل أكبر ليشمل المنهج موضوعات تغطي الأمان الرقمي، والشبكات، وقواعد البيانات، والخوارزميات وغيرها.
ولا تقتصر أهمية هذه الخطوة على تعليم الطالب كتابة الأكواد، وإنما تمتد إلى تغيير طريقة تفكيره، فالبرمجة تعلمه تحليل المشكلة وتقسيمها إلى خطوات، بينما يتيح الذكاء الاصطناعي أدوات جديدة للبحث والتحليل والإنتاج، ومن هنا يصبح الهدف الحقيقي هو تخريج طالب يستطيع استخدام التكنولوجيا، وليس مجرد طالب يعرف معلومات عن التكنولوجيا.
أرى أن التعليم المصري يحتاج خلال المرحلة المقبلة إلى توسيع مساحة المهارات الرقمية لتشمل علوم البيانات، والأمن السيبراني، والحوسبة السحابية، والروبوتات، والتصميم الرقمي، إلى جانب ريادة الأعمال والمهارات المالية، وفي الوقت نفسه، ستظل مهارات القراءة والكتابة والرياضيات والتفكير النقدي والتواصل والعمل الجماعي ضرورية، لأن التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى القدرات الإنسانية، بل تغير طبيعة استخدامها.
كما أرى أن ربط المناهج باحتياجات سوق العمل بات محورا أساسيا في تطوير المنظومة، مع التوسع في مدارس التكنولوجيا التطبيقية والتعليم الفني والشراكات مع القطاع الخاص، وتعزيز استخدام البرمجة والذكاء الاصطناعي داخل التعليم الفني والتدريب المهني. ويبقى التحدي الأكبر هو ألا يتحول إدخال التكنولوجيا إلى مجرد إضافة مواد جديدة إلى جدول الدراسة، فنجاح التجربة يحتاج إلى معلم مؤهل، وبنية رقمية قوية، ومناهج تعتمد على التطبيق والمشروعات، وتقييم يقيس الفهم والابتكار بدلا من الحفظ. وفي النهاية، فإن مستقبل التعليم المصري لن تحدده التكنولوجيا وحدها، وإنما قدرة المدرسة والجامعة على إعداد طالب قادر على التعلم طوال حياته، وفي ظل سوق عمل يتغير بسرعة، قد لا تكون أهم شهادة هي التي تثبت ما تعلمه الطالب في الماضي، وإنما المهارات التي تمكنه من تعلم ما سيحتاج إليه في المستقبل.









