نحن أمام مشكلة حقيقية فى إدارة حياتنا اليومية أن يمنح كل إنسان نفسه الحق فى فتح كاميرا تليفونه المحمول ومطاردة الآخرين بعدسته ثم تقديمهم إلى محكمة ومحاكمة مواقع التواصل الاجتماعى بحثًا عن شهرة أو انتقامًا من شخص أو تشهيرًا بمؤسسة.. فهذا عوار مجتمعى يستحق الانتباه. والأخطر أن نعتاد المشهد حتى يصبح الاعتراض على انتهاك الخصوصية دليل اتهام.. ويصبح السؤال: «لماذا تصورنى؟» اعترافًا ضمنيًا بأن صاحبه يخفى شيئًا!
وقبل الدخول فى الموضوع وجب التأكيد على أن التصوير ليس جريمة فى جميع الأحوال وأن النشر ليس جريمة بمجرده أيضًا.. فالحكم يرتبط بظروف الواقعة.. والمكان.. وطبيعة المحتوى.. والضوابط القانونية.. بل إن التصوير ذاته قد يكون مجرمًا.. كما فى الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة بتصوير شخص فى مكان خاص دون رضاه.. خارج الأحوال المصرح بها قانونًا .. لذلك لا يستقيم أن نبيح التصوير بإطلاق.. ثم نحصر المخالفة فى النشر وحده.
ولا أحد ينكر أن الكاميرا قد تسجل أمورًا معوجة تحتاج إصلاحاً أو تثبت اعتداءً على حقوق الآخرين.. أو تنصف مظلومًا أنكر المعتدى عليه فعلته.. هذا توثيق له قيمته طالما جرى بالوسائل المشروعة.. وأرى أن تقديم مادته إلى جهات الاختصاص كمسار مسئول للتحقيق والمحاسبة.. خصوصًا عندما يتضمن نشرها كشف خصوصيات أو إيذاء ضحايا .. لكن قيمة التوثيق لا تمنح صاحبه تفويضًا بالتشهير.. مثلما أن حماية السمعة لا ينبغى أن تصبح ستارًا لحجب التجاوزات.
لقد أصبحنا نرى من ينشغل بضبط زاوية التصوير قبل أن يفكر فى مد يد المساعدة. يتحول المصاب إلى «محتوي» والمأساة إلى فرصة انتشار.. ودموع الأسرة إلى مادة تتناقلها الصفحات وهنا لا تكفى مناقشة حدود المسموح والممنوع؛ فنحن أمام خلل فى ترتيب القيم.. يجعل السبق إلى النشر أهم من السبق إلى النجدة.. ويضع عدد المشاهدات فوق حرمة الألم الإنسانى.
ما يقلقنى تحديدًا هو استخدام الكاميرا وسيلة ضغط على الموظفين العموميين أثناء تأدية مهامهم.. داخل أقسام الشرطة أو وحدات المرور أو مكاتب الشهر العقارى والتأمينات وغيرها.
هناك فارق بين مواطن يوثق شكواه.. وآخر يفتعل مشادة.. ويستدرج موظفًا إلى الانفعال.. ثم يقتطع لحظة من سياقها ليصنع منها فضيحة مكتملة الأركان فى أعين المتابعين. الأول يطلب حقًا.. والثانى يريد أن تصبح عدسته سلطة تعلو على الجميع وبالنسبة إلى رجال الشرطة الذين ينزلون إلى الشارع لضبط حالة الأمن وبث الاطمئنان إلى أفراد المجتمع من خلال توقيف المجرمين ومواجهة تجار وموزعى ومتعاطى المخدرات أو أولئك الذين يتوجهون إلى حيث يوجد اللصوص والبلطجية وتجار المخدرات لضبطهم أو تفتيش مقار إقامتهم.. فإن أخطر ما فى الأمر هو مقاومة السلطات الشرطية ليس بالسلاح ولا بالهرب وإنما برفع الكاميرات فى وجوههم ابتزازا لهم مع استخدام أصوات النساء لخلق حالة من الفوضى يختلط فيها الحابل بالنابل عندما يدخل ضابط «ابن ناس» إلى منزل أحدهم طالبا التفتيش أو القبض على أحد المتهمين يتم فتح الكاميرات من جميع أفراد الأسرة مع صرخات النساء والهجوم الجماعى على القوة الشرطية وتوجيه السباب السافل للضابط مع محاولة الاعتداء عليه ومحاولة تصوير المشهد على انه تعد من الضابط على أسرة مصرية محافظة وبريئة.. هنا نتساءل: هل يستطيع الضابط الحفاظ على ثباته الانفعالى أمام هذا المشهد؟ وهل يستطيع إدارة ذلك المشهد الفوضوى ببراعة ودون أن يقع فى خطأ ما؟ وهل هذا التصوير ونشر الفيديوهات تنال من هيبة الضابط ومن ثم مؤسسته أم لا؟ القضية خطيرة وتحتاج دراسة عميقة وشاملة تخرج بقرارات وتعديلات تشريعية صارمة مثلما يحدث فى كل دول العالم المحترم.
ثم إن دخول مرفق حكومى للحصول على خدمة لا ينبغى أن يتحول إلى استباحة لأوراق المواطنين وبياناتهم ووجوههم. المطلوب تعليمات معلنة.. تستند إلى القانون.. تراعى طبيعة المكان.. وتشرح ما يجوز تصويره وما يستوجب قيودًا وأسبابها.. مع قنوات فعالة وسريعة لتلقى الشكاوى والمواد المصورة. فكلما اطمأن المواطن إلى جدية الإنصاف.. تعززت ثقته فى المسار المؤسسى لاسترداد حقه.
ولا ينبغى أن ننسى ذلك المريض الذى تلاحقه العدسات.. أو الطفل الذى تنتشر دموعه.. أو الأسرة التى تتحول مأساتها إلى مادة للفرجة. أى خلل أصاب ترتيب أولوياتنا حتى أصبح ضبط زاوية التصوير أسبق من مد يد المساعدة؟ وأية شهرة تستحق أن يكون ثمنها ستر الناس وطمأنينتهم؟
فهيبة المؤسسات لا تصونها العصبية.. وحقوق المواطنين لا تحميها الفوضى وإنما يحمى الاثنين قانون.. يطبق بعدالة.. ولا يستثنى من المساءلة أحدًا.
لا ينبغى أن يظل القانون سيفًا مغمودًا فى الوقت الذى تتحول فيه خصوصيات الأفراد وكرامتهم إلى مادة لحصد المشاهدات. المطلوب تفعيل أحكامه كلما انطبق نطاقها.. وحماية التوثيق المشروع.. ومحاسبة من يتجاوز حدوده.. أيًا كانت صفته.. فوجود الإنسان فى مكان عام لا يعنى تخليه عن حقوقه الشخصية.. وامتلاك الهاتف لا يمنح صاحبه حقًا مطلقًا فى الآخرين.. سيف القانون نحتاجه لإقامة العدل.. وصيانة الحقوق.. وضبط الفوضي؛ حتى تظل الكاميرا شاهدًا على الحقيقة.. ولا تتحول إلى أداة لصناعة الظلم والابتزاز الرخيص.









