«الزمان 5 يناير 1979»
ـ ألو الأستاذ مفيد فوزي؟..
ـ أيوه أنا.. مين
ـ أنا صلاح منصور ممكن نتقابل؟
وكان اللقاء.. وفتح مفيد جهاز التسجيل لأن صلاح أراد أن يحكى ما يشبه اعترافاته فى أمور حياته.
كان قد تجاوز الـ 56 عاماً بأشهر قليلة.. فى الحوار أشار إلى أن تاريخ ميلاده فى مايو.. والمواقع تكتبه فى مارس.. وفى البداية كان هو من يسأل:
>> لماذا لا يفصلون لنا الأدوار.. ونحن نمتلك الخبرة والدراسة والحرفة لقد ساقت إلينا الأقدار تلك الأعمال التى نجحنا من خلالها فى صناعة شهرتنا وثقة الجمهور فى قدراتنا.. لماذا يأخذ الشاب الوسيم والفتاة الحلوة أجورهم بالآلاف ونحن نحصل على القليل.. وليه محمود المليجى مابيحصلش على 3 آلاف جنيه.. وأنا أعتبر محمود مرسى والمليجى أهم العباقرة فى ميدان التمثيل.. ويمكن أن أكون خلفهما.
وكان الاتفاق بين مفيد وصلاح أن يتكرر اللقاء كل يوم جمعة.. وجرى التسجيل فى غرفة نوم صلاح نظراً لأن حالته الصحية لم تكن على مايرام.. وعندما حلت الجمعة التالية.. ذهب مفيد إلى شادر العزاء فى الفنان الكبير فقد رحل وكأنه اكتفى بهذا التسجيل الأخير وما اعتبره وصية خالدة.. فيها ما يخص الفن.. والحياة عموماً.
اعترافات شجاعة
فى حياتى من الأفلام والأعمال ما أخجل منه لكنى لجأت ووافقت عليها من أجل أكل العيش ونحن نعيش من الفن وآفة هذا الوسط النسيان إذا تكررت اعتذاراتك وطال غيابك ستدخل دائرة الضباب ولن تقوم لك قائمة.. ما قاله منصور أعاده بعد سنوات نور الشريف حيث قال وجود بفيلم تافه يعنى أن أجرى سيكون حاضراً أمام المنتجين فإذا ابتعدت فقدت هذه الميزة وصعب إعادتها.
صلاح الذى وقف تصنيفه عند غالبية أجهزة الإعلام على أنه العمدة.. الشرير المميز.. ولكن من يتوغل فى مسيرته يكتشف إنسانية هذا الرجل الذى ارتمى فى أحضان الرئيس باكياً عندما اتجه إلى منصة التكريم بحصوله على وسام العلوم والفنون بكاء الفنان الكبير هز مشاعر الرئيس السادات فقد كان يعرف أن الرجل قدم إلى مصر ابنه الشهيد فى حرب 1973.. والرئيس هو من أمر أيضاً بعلاج ابنه الصغير على نفقة الدولة من مرض سبب له الإعاقة.. وكانت إرادة الله أن يسترد وديعته ويرحل الصبي.. والأب هذا الجبار على الشاشة ينفطر قلبه على ولديه ويتذكر كيف كان يلاعبهما صغاراً كأنه رفيقهم فى العمر واللعب وبنفس روحه الطيبة كان يصرخ فى كل مناسبة أو بدون مناسبة.
ـ يا أهل الفن اكتشفونى مرة أخرى أنا لم أقدم كل ما عندى واسألوا الناس لماذا أحبوا عبدالسلام النابلسى وشرفنطح وعبدالفتاح القصري.. وقد حققوا الكثير بأدوارهم المحدودة.. لأنهم بذكاء صنعوا منها أنماطاً عاشت بعدهم وسوف تعيش كثيراً.
حضرة الضابط
قبلوا أوراقه التى تقدم بها إلى الكلية الحربية وفى طابور التقديم كان يقف معه مجموعة من الشباب.. عرف فيما بعد أن أغلبهم من الضباط الأحرار الذين قادوا ثورة 23 يوليو.. لكن اللقاء مع زكى طليمات عميد المسرح العربى غير مساره.. حيث قبض على موهبته بقوة.. وقدمه فى حفل كبير أمام الملك فاروق وبدأ مشواره صحفياً فى روز اليوسف.. ثم تفرغ للفن.. وأخرج للمسرح والإذاعة عدة أعمال.. وهذا الشرير المرعب الضخم.. يتحول قلبه فى صدره إلى عصفور صغير يرفرف خاصة عندما يستمع إلى الشيخ مصطفى إسماعيل حتى أنه فى شادر عزاء أحد المعارف وكان بجواره شكرى سرحان هتف من فرط إعجابه:
ـ إيه الحلاوة دى يا شيخ.. والمصحف الشريف إنت عسل!
فإذا قال منصور فى اعترافاته: لقد ضايقنى تصفيق الجمهور فى مشهد وأنا على المسرح.. لأنه أخرجنى من حالة صعب على الفنان أن يصل إليها.. وقد قال أحد نجوم الإنجليز الكبار بعد أكثر من ألف ليلة عرض فى العمل الذى يقدمه: الآن فقط نجحت أن أسلسل القرد.. أى يصل إلى ذروة الاندماج دون أن يفقد وعيه كاملاً وهى معادلة صعبة للغاية.
وهو نفسه الذى قال لزوجته وأولاده فى لحظاته الأخيرة: أرجوكم لا تبكوا عليّ بعد رحيلي.. يكفينى منكم الدعاء لى وأنا بين يدى ربي.. لأن الموت من الحقائق التى لا جدال فيها ولا مهرب منها وقد يجعله المولى سبحانه راحة من شرور ومصائب كبرى قد تواجه الإنسان حياً.
والله دمه خفيف
كان شكرى سرحان يقول للمخرجين عن منصور، والله العظيم دمه خفيف بدرجة رهيبة. انظروا إليه بعين أخري.. ولم ينظروا إلا كما اعتادوا.. ومع ذلك ستجد فى حصيلته أن 9 من أفلامه تم اختيارها ضمن أحسن مائة فيلم فى تاريخ السينما المصرية وقد تشرفت بعضوية اللجنة التى اختارت الأفلام وكان نصيبى أن اختارها من ناحية السيناريو فقد جرى التقييم عن عناصر الفيلم العديدة من إخراج وتمثيل وتصوير وديكور وإنتاج وموسيقي.. وأفلام صلاح منصور المختارة هي: بداية ونهاية ـ غرام وانتقام ـ أمير الانتقام ـ اللص والكلاب ـ المستحيل ـ الزوجة الثانية ـ البوسطجى قنديل أم هاشم ـ العصفور.
وقد قال فى اعترافاته إن تقديم الشر على الشاشة يخضع لمدارس وأساليب عديدة.. وتحتاج من الممثل أن يكون «إبليساً».. بينما هو فى بيته يعانى لحظات الضعف والحزن.. ويسأل الله ألا يحرمه نور عينه أو ما تبقى منه فى أيامه الأخيرة وقد استجاب الله له.. وهو الذى عذب شعب اليمن الشقيق وقبض على أموره بيد من حديد وكثير من الدجل والاحتيال والفساد عندما جسد شخصية أمير اليمن «البدر» وقد تصدر الأفيش صلاح منصور بصورة أمير اليمن ومع ذلك جاء اسمه بعد ماجدة وعماد حمدى وحسن يوسف وصلاح قابيل عن قصة لصالح مرسى وسيناريو وحوار على الزرقانى وعلى عيسى وجرى إنتاجه لأسباب سياسية عندما ساندت مصر ثورة اليمن وعرض 1966.. وهو ما يكشف لنا كيف السينما المصرية تمشى مع أحداث البلاد دقة بدقة.. فعلتها بعد حرب 1956 فى فيلم بورسعيد.. وبعد نكسة 67 فى «أغنية على الممر».. وبعد انتصار 1973 فى «الرصاصة لاتزال فى جيبي»، «العمر لحظة»، بدور.. وقبلها تأييداً لثورة الجزائر فى فيلم «جميلة».. وكانت ماجدة الأكثر حضوراً فى هذا بإنتاجها وتمثيلها.
ورغم اختلاف منصور مع توجهات أمير اليمن إلا أنه جسد الدور بإتقان.. والفيلم لا يعرض إلا على فترات متباعدة وهو من أهم أعماله هذا الفنان العاشق لمحمد عبدالوهاب وأم كلثوم وزامل وديع الصافى فى بدايته.. وتقاسم الحلم بالنجاح على كورنيش النيل وكلاهما مفلس.. وساعدته تربيته الدينية على أن يكون متصالحاً مع نفسه.. يتذكر كيف كان أنور وجدى يتناول وجبة الغداء بـ 3 قروش فى السيدة زينب قرش فول مدمس بالزيت و4 مليمات لعدد 2 بيضة و4 أخرى لرغيفين و5 مليم لكوب الشاى ومثلها بقشيش.. ولما بلغت ثروته المليون جنيه.. لم يستطع أن يأكل سوى الأرز فى الماء الساخن لأن المرض داهمه فى شبابه وقصف عمره وماله.. ولم يبق منه إلا سيرته ومسيرته وما تركه ينفع به الناس.. فاعتبروا يا أولى النجومية والملايين.. وادرسوا جيداً حالة عمكم وأستاذكم صلاح منصور رحمة الله عليه وعلى كافة الأكابر فى كل ميدان.









