تاريخ العلاقات المصرية- العراقية يتجاوز الأطر الدبلوماسية التقليدية، فهو راسخ فى وجدان الأمتين ومبنى على إيمان عميق بأن استقرار المشرق العربى يبدأ من بغداد ويمتد حتى القاهرة، وعلى مر العصور كانت مصر ترى فى العراق ركنا أساسيا من أركان العمل العربى المشترك، وحصنا من حصون الهوية والثقافة العربية.
وفى ظل ما شهدته المنطقة العربية خلال العقود الأخيرة من عواصف وأزمات عصفت بعدد من الدول، برزت رؤية مصر الثاقبة تجاه العراق الشقيق واضحة وثابتة، وقائمة على مبدأ لا يقبل المساومة.. وهو الحفاظ على وحدة العراق، وسلامة أراضيه، واستعادة دوره الريادى الإقليمي.. إن هذه الرؤية لم تكن وليدة صدفة بل نابعة من قراءة إستراتيجية واعية لطبيعة المخططات التى تستهدف تفتيت الدول العربية من داخلها.. وترتكز الدبلوماسية المصرية فى تعاملها مع الملف العراقى على ثوابت راسخة لا تتغير بتغير الحكومات أو تبدل التحالفات الإقليمية.. وتتلخص هذه الثوابت في رفض منطق التقسيم ولطالما حذرت القاهرة من أى محاولات لتقسيم العراق على أسس طائفية أو عرقية سواء سنة وشيعة وأكراد وغيرها.. ورأت مصر بوضوح أن أى مساس بوحدة الأراضى العراقية يمثل زلزالاً جغرافياً وسياسياً يهدد أمن المنطقة برمتها.
وقد آمنت مصر منذ اللحظة الأولى بضرورة تقوية مؤسسات الدولة العراقية الرسمية، سواء كانت عسكرية أو أمنية أو مدنية، باعتبارها الضمانة الوحيدة لمنع الفوضى وملء الفراغات التى تستغلها التنظيمات الإرهابية، وحرصت مصر على دعم العراق ليبقى جزءاً لا يتجزأ من محيطه العربي، مع احترام تنوعه الثقافى والدينى كعنصر قوة لا عنصر ضعف، ورفض أى تدخلات إقليمية تسعى لسلخ العراق عن هويته القومية أو تحويله إلى ساحة صراع بالوكالة.. ولم تكتف مصر بالخطابات الدبلوماسية المؤيدة لوحدة العراق، بل ترجمت رؤيتها إلى أفعال ومواقف عملية على الأرض، خاصة خلال الفترات حالكة السواد التى واجه فيها العراق خطر التنظيمات الإرهابية كداعش.. ووقفت مصر بكل ثقلها إلى جانب العراق فى حربه الضروس ضد الإرهاب، مدركة أن هزيمة الإرهاب فى بلاد الرافدين هى انتصار لأمن مصر القومي.. ودائما تدعو القاهرة إلى احترام السيادة العراقية ورفض أى تدخلات عسكرية أو سياسية خارجية تنتهك أرضه أو تستغل أزماته لتحقيق مصالح ضيقة. تجسدت رؤية مصر الثاقبة فى تدشين آليات تعاون إستراتيجية كبري، مثل آلية التعاون الثلاثى بين مصر والعراق والأردن.. ولم تكن هذه الشراكة مجرد تعاون اقتصادى أو تجاري، بل كانت محاولة واعية لدمج العراق فى حاضنته العربية عبر مشروعات تنموية حقيقية تعود بالنفع المباشر على المواطن العراقى وتعزز اعتماده على محيطه العربي.. وتدرك مصر أن أى انهيار أو تقسيم للعراق سيترك فراغاً إستراتيجياً هائلاً.. كما أن استقرار العراق يعنى فتح أسواق جديدة أمام الشركات المصرية والعربية للمشاركة فى إعادة الإعمار والتعاون فى مجال الطاقة والبنية التحتية، وهو ما يخدم مصالح الشعبين الشقيقين إن رؤية مصر الثاقبة تنطلق من مقولة تاريخية تؤكد أن مصر القوية سند للعرب.. والعراق القوى سند لأمته.. وحين يتعافى العراق، يتعافى معه العالم العربى بأسره.
اليوم ومع الخطوات التى يخطوها العراق نحو استعادة دوره الإقليمى والدولي تعكس الرؤية المصرية تجاه العراق عمق الحكمة السياسية والإستراتيجية للدولة المصرية.. إنها رؤية لا تبحث عن مكاسب مؤقتة، بل تنظر إلى أفق إستراتيجى بعيد المدى يضمن استقرار المنطقة وسلامة شعوبها.
وستظل مصر سنداً حقيقياً لكل قطر عربى شقيق، وستبقى تؤمن بأن بقاء العراق واحداً موحداً، عزيزاً ومنيعاً، هو مصلحة عربية عليا لا يمكن التفريط فيها.. فالتاريخ والجغرافيا يفرضان على البلدين أن يظلا جناحين للأمة العربية، يحلقان معا نحو مستقبل الأمن والرخاء والسلام.









