يصعب على أى توثيق لأحداث مصر عبر التاريخ أن يتجاوز مرحلة «مصر- عبدالناصر».. ولا يمكن لكُتاب التاريخ المرور مر الكرام على هذه الفترة من حكم الوطن 52/70، وقد عاصرت هذه الفترة صغيراً ومدركاً على الأقل السنوات العشر الأخيرة من حكم الزعيم جمال عبدالناصر، ومازلت أذكر يوم وفاته وكان يوم الإسراء والمعراج الاثنين 28 سبتمبر عام 1970.
يسألنى أهلى فى الريف وأصدقائى فى القاهرة لماذا هذا الحب للزعيم عبدالناصر؟!.. الحقيقة، من هم فى مثل سنى يخالفون الحقيقة إذا تحدثوا سلبياً عن هذا الزعيم الذى يمر هذه الأيام وتحديداً الاثنين المقبل «56عاماً» على وفاته ونحو 118 علي مولده الجدل الكبير حول الشخصية يجعلنى أرتبط به أكثر.. كثير من زعماء العالم يأتون ويرحلون ويتم نسيانهم بلا جدل، لكن ما أقدم عليه عبدالناصر يظل محفوراً ليس فى ذاكرة المصريين، لكن فى ذاكرتنا العربية وفى آسيا وإفريقيا.. والأخيرة لا يوجد زعيم أفريقى ينكر دور عبدالناصر فى تحرير بلده من يد الاستعمار، فجيلى يذكر زعامات أفريقيا جيوليوس نيريرى «أبو الأمة» والمعلم كما يلقبونه فى تنزانيا، وسنجور فيلسوف «الزنوج» الحاصل على نوبل للسلام عام 1968 الشاعر والفيلسوف السنغالي، وكوامى نكروما فى غانا الذى تزوج من مصر، وأحمد بن بيلا وثورة المليون شهيد، والمناضل باتريس لومبا، الذى ناضل فى الكونغو وقتله الموساد والمخابرات الأمريكية وعمره «36 عاما»، وأحمد سيكوتورى «غينيا» وغيرهم من قادة إفريقيا أعود للإجابة عن سؤال لماذا أحببت ناصر؟.. من عاش فى قاع الريف مثلى وسط المزارعين والفلاحين ولمس كيف كان الحالة الصعبة للأسرة المصرية واصدار الإصلاح الزراعى وبناء وتطوير الوحدات الصحية والتعليم الإلزامى كل هذا كان فى ذهنى صغيراً عندما كنت أمر على مكتبة للمجلس القروى وأحصل على الكتب التى أريدها للاطلاع عليها فى منهج ثورة ثقافية ليست على طريقة شواين لاى فى الصين أو «ماو»، لكن على طريقة «جمال عبدالناصر».. ومع معركة السد العالى وتأميم القناة وحرب السويس الأولى 1956 وسط تحديات صناعية فى المحلة والاحتفال بعيد العمال وغيرها.. ولا أنسى يوم وفاته عندما جلست والدتى بعد سماعها صوت الرئيس الراحل أنور السادات يلقى بيان الوفاة، وهو يقول: مات أشجع الرجال.. وفى اليوم التالى الثلاثاء ثانى أيام الوفاة هرعت مع صديق عمرى ورفيقى محمد عبدالوهاب حمزة- رحمه الله- إلى القاهرة وكنا فى الصف الثالث الإعدادي، وفى منطقة قصر القبة بالقرب من مسجده الحالى وصلنا ليس معنا إلا قروش قليلة، لكن معنا إرادة الحضور للجنازة.. ولم أنس صرخة والدتى وهى تسمع الراديو وكان المنزل الذى به راديو علامة على الثراء الاجتماعي، وحضرت الجنازة وانخرطت مع الهتافات «وداعاً يا جمال يا حبيب الملايين»، وحناجر الملايين تردده. كانت وفاة عبدالناصر جنازة مستقلة فى كل منزل وفى كل بيت.. الجميع كان يتحدث عن العدالة الاجتماعية وبناء جيش قوى وإقامة المصانع والمدارس والعلاج المجاني.. لم نسمع عن مستشفى استثمارى وغيره… وكان التعليم الجامعى عنوان هذه المرحلة.. وأذكر أن أبناء الفلاحين سافروا بعثات إلى أوروبا وألمانيا ويوغسلافيا ورومانيا وبولندا وروسيا، دول ما نسميه زمان «المعسكر الشرقي».
وفى الجامعة واصلنا مع حب عبدالناصر فى تاريخ مولده ووفاته ونوادى الفكر بجامعات أسيوط والقاهرة وعين شمس فى فترة مهمة من ثقل ملكات الطلاب، إضافة إلى معسكرات أبوقير والشباب وغيرها للتثقيف السياسي.. ولا أنسى فى الرحلة حرب 67 والنكسة التى حدثت واحتلال اسرائيل لسيناء.. كيف تمت إعادة بناء القوات المسلحة وخطاب التنحى وخروج المصريين لرفضهم قراره من أجل أن يثأر جيشنا البطل للهزيمة فى يونيو، الذى تحقق بداية فى حرب الاستنزاف وبناء حائط الصواريخ وتحقيق التفوق العسكرى المصري.. كل هذا بإشرافه مع قادة عظماء من قواتنا المسلحة وجيشنا البطل الذى أعيد تأهيله ليواكب الحرب الحديثة، الذى تحقق بعد ذلك فى عهد الرئيس محمد أنور السادات فى أكتوبر 1973.. إن عبدالناصر كما أقول لابنه دوماً المهندس عبدالحكيم نجل الزعيم فى قبر ناصر الذى أزوره مع محبيه ٣ مرات فى العام يوم الثورة 23 يوليو ويوم وفاته 28 سبتمبر ويوم مولده 15 يناير.. أسعد جداً عندما أجد شباب من الجيل الثالث لثورة يوليو لم يعيشوا فترة ناصر واسميهم «ناصريون بدون ناصر» قولى هذا يعكس إن المشروع القومى للزعيم عبدالناصر مازال حياً فى الوجدان، فعلاً مازال حياً بأعماله وما تركه من أرث وطنى يجعله رمزاً خالداً، انكسرت أمامه كل دعاوى الثورة المضادة التى مازالت تتحدث سلبياً حول سيرته العظيمة.









