بعض الأشخاص يرحلون عن الدنيا، لكنهم يتركون في حياة من عرفوهم ما لا يرحل، موقفًا، أو كلمة، أو ابتسامة، أو درسًا يظل حاضرًا مهما مرت السنوات.
وفي ذكري رحيل الأستاذ والمعلم محمد خليفة، رئيس قسم التعليم بجريدة الجمهورية، أتذكر واحدًا من أبرز محرري التعليم في مصر والوطن العربي، ورجلاً صنع لنفسه مدرسة خاصة في الصحافة والحياة.
كان محمد خليفة صاحب ابتسامة لا تفارق وجهه، حتي في أصعب الظروف، جمع بين المهنية والإنسانية، وبين قوة القلم واحترام المصدر، وحقق معادلة لم تكن سهلة في زمن الصحافة الجميل، أن تكون ناقدًا للمسئول، وفي الوقت نفسه صديقًا للمصدر، دون أن تفقد استقلال قلمك.
كانت مقالاته تتجاوز حدود النشر، فكثير من القضايا التي كتب عنها، كانت تتحول بعد أيام إلي قرارات، كان يؤمن بأن الصحفي لا يكتفي بكشف المشكلة، وإنما يبحث عن الحل.
هكذا صنع مدرسة صحفية خرج منها جيل من الزملاء الذين انتشروا في أقسام جريدة الجمهورية، تعلمنا منه معني القلم الحر، وكيف تختلف مع المسئول دون أن تتحول المهنة إلي خصومة، وكيف تحافظ علي علاقتك بالمصدر دون أن تصبح أسيرًا لها.
من الذكريات التي لا يمكن أن أنساها أننا كنا نذهب أسبوعيًا إلي الدكتور حسين كامل بهاء الدين، وزير التربية والتعليم الأسبق، كان يمر بنفسه علي الزملاء في الجورنال ويسأل «في حاجة عندكم عايزة توقيع الوزير» ، جملة بسيطة لكنها تلخص فلسفته في الصحافة والمعني الحقيقي لجبر الخواطر.
كنت وقتها أراقبه وأتعلم منه، كيف يسأل، وكيف يناقش، وكيف يضغط في القضية، ثم يخرج من اللقاء محتفظًا بعلاقته بالمسئول واحترامه له.
حدثت واقعة الاعتداء علينا في الحوامدية أثناء تغطية بداية العام الدراسي الجديد، كنت وقتها تحت التمرين، ومعي الزميلان الراحلان حربي بيرم وشلبي طه، كانت واقعة صعبة، لكن موقفه بعدها كان من أكثر المواقف التي بقيت في ذاكرتي، ذهب إلي الأستاذ والمعلم سمير رجب، حزينًا جدًا مما حدث، وقال له «يا ريس.. عايزين حق الزملاء» ولم يهدأ حتي اعتذر الوزير بنفسه.
في ذلك اليوم فهمت أن المسئول عن العمل، ليس فقط من يوزع التكليفات، وإنما من يقف خلف صحفييه عندما يحتاجون إليه، كنت صحفيًا تحت التمرين، لكنني في تلك اللحظة شعرت بأن ورائي مؤسسة قوية لم تترك حقي.
رحل الاستاذ، لكن بقيت مدرسته في تلاميذه وزملائه، وبقيت مواقفه شاهدًا علي زمن كانت فيه الصحافة مهنة لها تقاليدها، وكان للزمالة معني، وللقلم مسئولية.
وبعد سنوات طويلة في المهنة، أدركت أن ما تعلمناه منه لم يكن دروسًا في الصحافة فقط، وإنما دروس في الرجولة والوفاء ، تعلمنا أن الصحفي لا يكتب لمجرد أن يظهر اسمه، وإنما ليغير شيئًا، وأن النقد الحقيقي ليس هدمًا، بل محاولة للإصلاح.
في ذكري رحيله الـ 23، لا أتذكره باعتباره رئيسا لقسم التعليم في الجمهورية فقط، أتذكره كما عرفته، أستاذًا ومعلمًا، وأخًا كبيرًا وسندًا.
رحم الله الاستاذ، ورحم ابتسامته وأيامنا معه، ورحم زمنًا من الصحافة تعلمنا فيه أن للمهنة شرفًا، وللزمالة معني، وللقلم مسئولية وستظل ذكراه حاضرة في كل قلم تعلم منه كيف يكون حرًا، وفي كل زميل عرف منه أن الصحافة ليست مهنة فقط، وإنما موقف وإنسانية ووفاء.









