فى أكتوبر 2022 قال سموتريتش للتليفزيون الإسرائيلى بأن نتنياهو فى انتخابات الكنيست فى مارس 2021 أراد بشدة التحالف مع القائمة العربية الموحدة «حزب عربى يرأسه منصور عباس» وأن رئيس الوزراء أنكر ذلك، فهو كذاب ابن كذاب، كما كشفت عشيقته السابقة روت بار فى تحليلها لكتابها الصادر مؤخرا بعنوان «عقل تحت التأثير» أن نتنياهو شخص رافض لمفهوم العدالة ومعاق فى اقامة العلاقات ومستعد لتدمير المجتمع الاسرائيلى من أجل البقاء فى الحكم، وهناك الكثير من الكتابات والتحقيقات التى فضحت فساده ومنها فيلم «ملفات بيبى» الذى أخرجه اليكسيس بلوم عام 2024 وتم عرضه فى مهرجان تورنتو السينمائى الدولى فى سبتمبر 2024 عن تحقيقات الشرطة الاسرائيلية معه، وسوف يتم عرض الفيلم فى البرلمان الأوربى هذا الشهر تحت إشراف نواب اليسار فى البرلمان، فضلا عن كتاب «المحتجزون: 843 يوما من الإهمال» الذى يدين نتنياهو بمعرفه هجوم 7 أكتوبر قبل وقوعه وتغاضيه عن اتخاذ قرار والذى أكد هذه المعلومة أيضا هانتر بايدن نجل الرئيس الأمريكى السابق بايدن فى لقائه مع اذاعة ال بى سى البريطانية مفسرا علم نتنياهو بالتحذيرات وسماحه بوقوعها لتنفيذ سياسات وخطط جهنمية لم تكن تحظى بقبول دولى فى ظروف أخرى ومنها تصفية القضية الفلسطينية وتهجير سكان غزة.
أخيرا وليس آخرا مقالة المحللة الصهيونية كارولينا ليندسمان فى هاآرتس التى كتبت أن نتنياهو سيرحل ولكن البلاد ستموت معه وأنه يجب الاعتراف بانجازات نتنياهو فى تفكيك البلاد والتى لا تنكر، فقد تمكن من تدمير كل شىء جيد فيها.. لم يبق شىء.
هذه هى تركيبة بنيامين نتنياهو الذى استمر فى السلطة 18 عامًا والذى بنى مجده على عدة مسارات منها أنه الوحيد القادر على منع إقامة دولة فلسطينية والحفاظ على وجود دولة اسرائيل لمائة عام مقبلة وتوفير الأمن وتحسين مكانة إسرائيل الدولية وأن لديه من القدرات العالية للتأثير على صانع القرار الأمريكي، كما أن لديه قدرات أيضا على صياغة هجوم لفظى مدمر لمنافسيه وأعدائه، وبالتالى فأن سلوكه لن يسمح بانتقال السلطة منه فى الانتخابات المقبلة ولن يوفر وسيلة لذلك.
واجه نتنياهو انتقادات شديدة بشأن طريقة ادارته للحرب وتعامله مع قضية المحتجزين ووقوعه تحت وصاية ترامب وتسببه فى تآكل الدعم التاريخى لإسرائيل فى الولايات المتحدة وعزلتها فى العالم الغربي، فضلا عن اتهامه بارتكاب جرائم حرب بحكم من المحكمة الجنائية الدولية.
أول أمس بدأ نتنياهو كلمته فى الجمعية العامة للأمم المتحدة بوصف من غادر القاعة بالجبناء أخلاقيا وهذه الجملة لم تكن ارتجالية فهى معدة مسبقا لإدراكه أن الوفود ستغادر القاعة استجابة لدعوة البعثة الفلسطينة الفلسطينية احتجاجا على الحرب فى غزة والسياسات فى الضفة الغربية واستعرض نتنياهو فى كلمته أمام الدورة 81 للأمم المتحدة ما اعتبره أن اسرائيل محاطة بأعداء منذ 1967 وأنها الدولة الضعيفة الصغيرة التى انتصرت على أعدائها، منوها أن الصراع ليس على الأرض وانما على وجود دولة يهودية وذلك فى اغفال تام لوقائع التاريخ والشرعية الدولية واستشهد بكلمات رئيس الموساد الأسبق يوسى كوهين فى كتابه «سيف الحرية» أن اسرائيل يجب أن تنتصر فى أى حرب تخوضها وليس أمامها خيار آخر واستحضر فى كلمته وقائع عملية عنتيبى عام 1976 ومقتل شقيقه يونتان فى محاولة إنقاذ الرهائن الإسرائيليين والذى قتل على يد قوات اوغندية وليست فلسطينية وهى الحادثة التى دأب على استخدامها طوال عمله السياسى وابراز تضحيات اسرته فى سبيل دولة اسرائيل بل واستطاع اقناع قائد الجيش الأوغندى مؤخرا على عمل تمثال له فى موقع الحادثة، كما سبق أن أسس له نتنياهو معهدا باسمه «معهد يوناتان لمكافحة الإرهاب».
انتقل نتنياهو فى كلمته إلى هجوم السابع من أكتوبر 2023 ونشر أكاذيبه المعتادة بقيام قادة حماس بقطع رءوس الأطفال واغتصاب النساء وقتل 1200 شخص وربط هذه العملية كعادته بهجوم 11 سبتمبر فى نيويورك وبالأعداد المقتولة قياسا بعدد سكان اسرائيل وحربه على 7 جبهات.. ولم يغفل الحديث عن إيران فى بداية كلمته بأنه حقق النصر عليها وأن قراره تدمير المنشآت النووية الإيرانية كان من أسهل القرارات التى اتخذها فى حياته، كما لم يتغاض عن الهجوم على فرنسا وبريطانيا كدول استعماريه سابقة.
كما وجه رساله توراتية كعادته فيما يتعلق بهضبة الجولان مدعيا أن اليهود كانوا فيها منذ أيام موسى.
يمكن القول إن كلمة نتنياهو فى الأمم المتحدة قد جاءت عكس صراع الرواية التاريخية فهى تكرار لأكاذيبه التى تهدف إلى تبرير أفعاله وجرائمه وأنه مطلوب للعدالة كمجرم حرب وإبادة وجرائم ضد الإنسانية وأنه يحاول تقديم نفسه بأنه القائد الفذ فى التاريخ الاسرائيلى بروايات مضللة، كما أنها تتضمن أيضا تبريرا غير منطقى للاستيلاء على الأرض تحت دعاوى صغر حجمها واحاطتها بالأعداء من كل جانب.
كما أن اشارة نتنياهو إلى حرب 1967 تحمل بعدًا آخر، وبالفعل كانت إسرائيل تحت قيادة ليفى اشكول المتردد والذى تم اتهامه بالضعف وضغطت عليه رئاسة الأركان لدخول حرب ضد مصر والعمل على خلق هوة تقنية من طائرات الميراج الفرنسية التى دخلت الخدمة وطائرات سكاى هوك الأمريكية والتدريب على تزويد القوات الأمامية بالذخيرة بدلا من انسحابها للخلف لهذا الغرض واستعدادات الجبهة الداخية من متطوعين وحفر مقابر جماعية فى الحدائق العامة وتنازل اشكول لموشى ديان منصب وزير الدفاع، كانت كلها عوامل اسرائيلية وغربية ساهمت فيما حدث لاحقا وهى رسالة ذات مغزى مغلفة لمصر فى الوضع الحالى ولكننا نعيد نتنياهو الى كتاب صدر فى 6أكتوبر 2006 لأرييه شيلو رئيس قسم الأبحاث فى جهاز المخابرات العسكرية الاسرائيلية فترة حرب 1973 بعنوان «أين نجحنا وأين فشلنا فى حرب 73» والذى كشف بوضوح الخديعة التى وقعوا فيها من تحذيرات و21 إنذارًا بالهجوم وفشلهم فى تقدير القدرات المصرية ودك القوات المصرية لحصونهم وجلب أسراهم واستقالة جولدا مائير وغيرها من القيادات العسكرية الإسرائيلية نتيجة لهزيمتهم القاسية وإدراكهم فيما بعد أن الولايات المتحدة شريك كامل لإسرائيل وبدونها لن تكون قادرة على البقاء فى المنطقة، عودة نتنياهو لمذكرات قادة إسرائيل فى حرب أكتوبر تكشف له أكاذيب وكيف كانت الهزيمة قاسية وأن مصر كسرت غرورهم وأن ما حدث معهم فى هذه الحرب يمكن أن يتكرر مرات.
خطاب نتنياهو تضمن أيضا رسائل للداخل الاسرائيلى فى فترة الاعداد للانتخابات البرلمانية فى 26 أكتوبر 2026 فى اطار تعبئة قاعدته السياسية الانتخابية بأن نتنياهو هو الوحيد القادر على صيانة أمن الكيان والحفاظ على وجوده فى ظل محيط معاد لها لا يتقبل وجودها وذلك فى ضوء إصراره على عدم قبول انتقال السلطة منه وأنه الوحيد القادر على حمايتها وبقائها وتصفية القضية الفلسطينية، فإشاراته إلى التهديد الوجودى وان إسرائيل تحارب على 7 جبهات وانكاره للصراع على الأرض.. كل ذلك يعكس سرديته الكاذبة الداعية إلى أهمية استمراره لاستكمال المهمة التوراتية : الأرض والتوسع وابادة الأعداء وتحقيق النصر.
لم يكن خطاب نتنياهو أمام الجمعية العامة والذى امتنع عن سماعه وغادر القاعة ممثلوا 77 دولة نموذجًا جديدًا فى التعامل مع كلماته ورواياته فى تبرير الرذيلة والابادة والتشكيك فى كل مايتعارض مع المواقف الإسرائيلية المضللة، فقد سبق تكرار ذلك فى اجتماعات الجمعية العامة العام الماضى بل وهو نهج اسرائيلى متكرر وهذا يرجع بنا إلى خطبة حاييم هيرتزوج عام 1975 عندما كان مندوب اسرائيل فى الأمم المتحدة «ولاحقا رئيس اسرائيل، وهو أيضا والد الرئيس الحالى يتسحاق هيرتزوج» الذى ألقى واحدة من أكثر الهجمات على المنظمة العالمية معتبرها أنها أصبحت مركزا عالميا لمعاداة السامية ردا على اعتبار قرار الجمعية العامة رقم 3379 أن الصهيونية هى شكل من أشكال العنصرية وتكرار مثل هذه الكلمات الفجة من جانب قيادات اسرائيل على مدى التاريخ فى الأمم المتحدة.
ولا شك أن التعامل الدولى مع نتنياهو وسياسات كيانه فى الأمم المتحدة قد عكستها ما ذكرته صحيفة يديعوت احرونوت تعقيبا على مغادرة الوفود وكلمته أمام الجمعية العامة ولقاءاته المحدودة مع زعماء عدد معين من قادة الدول يوضح بأنه رئيس وزراء لبلد أكثر عزلة من أى وقت مضى.









