من المنتظر أن ينطلق هذا الأسبوع مؤتمر التعدين المصرى الذى يعقد يومى 28/29 سبتمبر الجارى بحضور الشركاء الدوليين ونحو 6 آلاف مشارك من 50 دولة بالإضافة إلى شركات تعدين عالمية ومستثمرين فى تكنولوجيا التعدين.
أهمية هذا المؤتمر انه يأتى فى وقت يكاد العالم فيه يبحث عن شراء وقت مستقطع بسبب الأحداث الجيوسياسية، لكن مصر تبحث عن المستقبل وسبل التنمية واتخاذ خطوات ملموسة للتموضع كمركز اقليمى وعالمى للتعدين،
لقد آمنت مصر بقدرتها على دخول ملف المنافسة العالمية فقد بات هذا القطاع مساحة تنافس على اقتصاد المستقبل.
التحول المصرى الحقيقى فى ملف التعدين هو عدم القياس بالأرقام وحدها بل بوجود نموذج تعدين قائم على القيمة المضافة أى بناء سلسلة من القيمة المضافة تمتد من الاستخراج إلى المعالجة والتكرير ثم التصنيع حتى يكون التعدين قاعدة صناعية مغذية لقطاعات أخرى.
ولا يخفى على الجميع أن هذا القطاع من الأعمدة الأساسية التى يقوم عليها الاقتصاد العالمى الذى بلغ فى عام 2025 ما يقدر 2.1تريليون دولار ومتوقع أن يصل فى عام 2028 إلى 2.8 تريليون دولار وأن يرتفع عام 2053 إلى 3.7 تريليون دولار وهنا نقطة ومن أول السطر.
لقد أصبح هناك ما يسمى باقتصاد التعدين الذى له أثره على دعم عناصر التنمية الاقتصادية وتعزيز قدرات الدول الصناعية والناشئة، وهو العمود الفقرى للصناعات الاستراتيجية التى تعتمد على المعادن وتعزيز الناتج المحلى وزيادة الاحتياطى النقدى وتحسين الميزان التجارى وتوفير مصادر مستدامة إلى جانب جذب الاستثمارات.
تدرك الدولة المصرية أن دعم ملف الطاقة المتجددة ياتى من باب التعدين لصناعة البطاريات والألواح الشمسية وتوربينات الرياح وشبكات التخزين الذكية، كما أن الانخراط فى سلاسل الإمدادات العالمية والتحكم بها يتضمن تأمين مصادر مستدامة ومتنوعة وإنشاء تحالفات دولية مما يزيد حجم التنافسية.
وملف التعدين بلا شك يؤثر بشكل مباشر فى خطة مصر نحو تخفيض تكاليف التصنيع والأمن التكنولوجى واسواق المال وحركة التجارة العالمية والتحول الرقمي.
الأرقام تقول ان الشركات العالمية تستحوذ على حوالى 14.5 ٪ من إجمالى السوق العالمى 2023 وهذا يفتح الباب لدول أخرى مثل مصر لإعادة التموضع داخل هذه الصناعة الاستراتيجية.
والمؤشرات تؤكد أننا أمام مشارف حدث فريد تصنعه مصر التى تعلن عن برنامجها التعدينى سواء المعادن الصلبة أو المعادن الحرجة والتى تبدو انها فى تطور لافت لم يحدث منذ 42 عاما وذلك من خلال مسح جوى موسع على الحيز الجغرافى لمصر فى 6 مناطق على 100ألف كم متر مربع أى 10 ٪ من مساحة مصر، إنها مرحلة تاريخية لافتة لسياسة مصر التعدينية فى بلد يمتلك 34 معدنا متنوعا.
والسؤال الأبرز.. لماذا نقوم بعملية المسح الجوى الجيوفيزيائى!!!
الأمر ليس اختياريا وانما هو حتمى لبناء درع اقتصادية فى عصر المعادن الحرجة فلابد من بناء قاعدة جيولوجية حديثة بواسطة التخطيط الذكى عن طريق الاقمار الصناعية والمجسات وأنظمة بيانات الطيران ودمج البيانات التاريخية مع التقنيات الحديثة لرسم صورة دقيقة لـ 6 مناطق بحثية وهو ما يؤكد عزم مصر أن تكون لاعبا أساسيا فى مجال التعدين.
وعطفا على ماسبق فإن هذه هى ادوات التنمية الجيوسياسية أو اقتصاد النمو المستدام والتأثير الطويل فقواعد العالم الجديدة من النفوذ والهيمنة تبحث عن المستقبل بعين العلم والتكنولوجيا الحديثة والمعرفة، والعالم منذ العام الماضى والحالى يتحدث عصر المعادن الثمينة والتكنولوجيا بامتياز، وبالتالى لم يعد أمامنا إلا التحول من مقلد إلى مبتكر ولم يعد يجدى لأى دولة أن ترتمى فى ذيل التحديث الصناعى أو الاقتصادى ولم تعد القدرة المحدودة على التصنيع والانتقال البطئ نحو الازدهار الصناعى الجديد القائم على حرب قامت بالفعل وهى حرب المعادن النادرة، فالمعادن ترسم جغرافيا جديدة عنوانها البارز المصالح الاقتصادية.
الجغرافيا التعدينية الجديدة
لاشك أن الملمح الأول لهذه العبارة التى تبعث على الأمن الاقتصادى تكمن فى أننا على مشارف المستقبل فى عصر المعادن النادرة أو المعادن الحرجة، وكان السؤال اللافت هل مصر تمتلك المؤهلات المطلوبة لتكون مركزا عالميا للتعدين ولقد دفعنى هذا الحدث أن من يهتم بالاستثمار فى مصر فسوف يبحث عن خارطتها الجيولوجية ومناطق وخرائط الثروات ومن هنا جاءت ضرورة الاستكشاف القياسى على الأصول التعدينية فى عصر المعادن.
ولقد وجه السيد الرئيس إشارات إيجابية تؤكد مرونة الحالة المصرية فى استقبال الاستثمارات والتمركز المصرى مبنى على العوامل الكلية التقنية المؤثرة فى واحد من أهم الملفات وهو ملف التعدين.
لقد بذلت الدولة المصرية خطوات حثيثة وجادة فى سبيل تطوير قطاعها التعدينى ورفع مساهمته فى الاقتصاد القومى بداية من تطوير التشريعات ذات الصلة لجذب الاستثمارات وذلك ضمن استراتيجية شاملة لتطوير القطاع بمختلف أنشطته.
وتأتى تلك الخطوات ضمن إطار استكمال لرؤية مصر التنموية لبناء نموذج اقتصادى مختلف فى كل القطاعات التى تهدف إلى تحقيق أقصى استفادة ممكنة من ثروات مصر التعدينية وزيادة القيمة المضافة منها وزيادة مساهمة النشاط التعدينى فى الناتج المحلى ضمن خطة مصر للتحول إلى مركز عالمى للتعدين.
وكانت من القرارات الفاعلة فى هذا الاتجاه تحويل الهيئة الخاصة بالثروة المعدنية إلى هيئة اقتصادية مستقلة، فتحويل الهيئة لنمط عمل مختلف من النمط الخدمى إلى النمط الاقتصادى الإنتاجى يعطى فرصة لقطاع القيمة المضافة لينمو، فقطاع التعدين من القطاعات الحيوية المهمة فى مصر حيث يقوم عليه كثير من الصناعات ذات الصلة وبالرغم من وجود الدراسات الجيولوجية التى تؤكد أن مصر غنية بثرواتها المعدنية من ذهب وحديد وفوسفات ونحاس وغيرها من المعادن المهمة إلا أن معظم هذه المعادن لم يتم استغلالها بالشكل الكامل وعليه تمت صياغة رؤية استراتيجية شاملة لتطوير هذا القطاع بما يسهم فى استكشاف مناطق الثروات المعدنية الكامنة فى ربوع مصر وبما ينعكس على مساهمته بنسبة كبيرة لان النسبة الحالية تقدر بـ 5 % وهو رقم ضئيل جداً.
التحول الإنتاجى
لاشك أن التصنيع المحلى للمنتج التعدينى خطوة استراتيجية لتعظيم القيمة المضافة الاقتصادية فتوسيع الإنتاج المحلى يخلق سوق عمالة كبير ويقلل من الاعتماد على الأسواق الخارجية وزيادة التنافسية للأسواق المصرية على المستوى العالمى بالإضافة إلى التنمية المجتمعية حول المناجم وإدخال تقنيات إعادة التدوير للمخلفات التعدينية وذلك لزيادة الربحية وتقليل تكاليف التشغيل على المدى الطويل.
وعندما نستعرض جهود الدولة نحو تحويل ثروات مصر التعدينية إلى صناعات استراتيجية ذات قيمة مضافة عالية مما يسهم فى توفير فرص عمل ودعم التنمية يظهر أمامنا مشروع أبو طرطور الذى يقدم نموذجا للتصنيع المتكامل وتحويل الخام المستخرج والذى يقدر بنحو مليار طن إلى منتجات نهائية ترفع العوائد وتخدم الاقتصاد الأخضر بدلا من التصدير الخام.
فالفوسفات هو العمود الفقرى لصناعة الأسمدة التى تعتمد عليها الزراعة لضمان السيادة الغذائية وهذه الصناعة تجعلها عنصر لايمكن الغنى عنه فى خطط التنمية الاقتصادية لذلك فان دعم هذه الصناعة الكيميائية التى تحتاج إلى درجات نقاء عالمية مثل حمض الفوسفوريك وهذه لها دورها فى تعزيز دور قطاع التعدين فى الاقتصاد الوطني.
ان تحرك الدولة نحو مشروع تعدينى صناعى متكامل فى أبو طرطور يجسد رغبة الدولة فى استثمار ثرواتها التعدينية فالمشروع لا يتوقف عند الاستكشاف والتقييم بل يمتد إلى رفع تركيز الخام وتحسين جودته ثم إقامة صناعات تحويلية عليه أى الانتقال من منطق بيع الخام إلى تعظيم القيمة المضافة.
المؤكد ان هذا القطاع قادر على النهوض بالدولة حيث تمتلك مصر مقومات تؤهلها للنجاح فى هذا المجال فهناك ثروات محجرية هائلة من الخامات التى تغطى 60 ٪ من مساحة مصر باحتياطى يصل إلى مليار طن وهو منتج يدخل فى أكثر من 30 صناعة، أما عن الثروة المنجمية فيتصدرها الذهب ويتوفر فى أكثر من 140منطقة أشهرها منجم السكرى والبرامية والفواخير ووادى العلاقي، فلدينا 375 موقعا تعدينيا للذهب جاهزة لبدء الإنتاج بالإضافة إلى مناجم الفوسفات التى تصنف كأفضل أنواع الفوسفات عالميا.
كما يتوفر خام «الفلسبار» باحتياطى يصل إلى نحو 7 آلاف مليون طن ثصل إلى 3 آلاف مليون طن من الفوسفات وخام الالمنيت بحوالى 80 مليون طن بمتوسط جودة يصل إلى 35 ٪ وتوافر مادة الكولين باحتياطى 800 مليون طن والكبريت باحتياطى حوالى 40 مليون طن، كما تمتلك مصر معادن استراتيجية مثل التنتاليوم والليثوم مما يخلق فرصا استثمارية واسعة للتوسع فى هذا القطاع وتطويره.
تحديات كبيرة
يجب أن نأخذ فى عوامل الدفع المحورية أن هذا الملف يواجه تحديات كبيرة فالمشكلة ليست فى ندرة المعادن ولا فى استخراجها ولا فى التراخيص بل تكمن فى القيمة المضافة أو توصيل الخام بالشكل الذى يدخل عليه فى إطار عملية التصنيع.
وفى ضوء ماتشهده مصر من تحول فى نموذجها الاقتصادى نرى أن قطاع التعدين يشكل أهمية كبيرة فى التحول ويشكل أهمية مزدوجة من ناحية أنه الرافد المهم للتنويع الاقتصادى فى مصادر الدخل وزيادة الصادرات ومن الناحية الأخرى وهى مهمة جدا فى هذا التوقيت بناء سلسلة توريد للصناعات المصرية المستقبلية حيث تكون جزء من المركز العالمى للتعدين وعلى وجه الخصوص صناعة السيارات الكهربائية البطاريات والطاقة المتجددة والصناعات التكنولوجية مثال الرقائق الإلكترونية.
ونظرا لأن الارتباط بالمستقبل والعالم أصبح مرتبطاً بالمعادن النادرة فيجب أن تمنح مصر حوافز استثنائية لجذب الاستثمارات الأجنبية لعمليات استكشاف وإنتاج العناصر مع تعظيم الحوكمة والتحول الرقمى فى القطاع وزيادة عدد المناجم وتكثيف المراقبة والتفتيش المطلوبة وتعظيم خطط القيمة المضافة توطين الصناعة وتقليل الفجوة فى الميزان التجاري.
أن التحول فى النموذج الاقتصادى يضع مصر كلاعب رائد فى صناعة التعدين العالمية وتعزيز النمو المستدام ومراعاة القيمة المضافة.
لذلك قامت مصر بوضع نموذج معيارى مالى لقطاع التعدين المصرى يتميز بالشفافية والتنافسية والاستقرار وفق نموذج حديث لاتفاقيات الاستغلال التعدينى وفق أعلى معايير الممارسات العالمية.
وتقوم شركة اكس كاليبر الإسبانية بالبحث الذكى وعمليات المسح الجوى الجيوفيزيائى بتكلفة تقديرية 56مليون دولار على مدار عام ونصف العام مع الأخذ فى الاعتبار تيسير استخراج التراخيص والموافقات وتوحيد جهة الولاية فى الاصدار من خلال هيئة الثروة المعدنية دون الحاجة إلى تعدد الجهات مما يوفر الوقت والدعم للجداول الزمنية لشركات التعدين، وسيتم إطلاق بوابة جيولوجية رقمية للتعدين لتقديم الخدمات للمستثمرين وتسهيل الوصول إلى البيانات الجيولوجية وكل المعلومات عن المناطق المتاحة للاستثمار.
ومن هنا كان تحسين نموذج وتطوير نماذج الاستثمار من أجل التنافسية وزيادة مساهمة هذا القطاع فى الناتج القومى إلى 6 % خلال السنوات القادمة، لذلك قدمت الدولة المصرية تحفيزات بإعفاء المستثمرين فى عمليات التنقيب من الضرائب والرسوم الجمركية لمدة 30 عاما وتسهيل الإجراءات لتحفيز الاستثمارات.
الأبحاث الجيولوجية العالمية
ان العالم لايعيش بدون أبحاث علمية وفى مجال التعدين ينفق العالم سنويا من 25/30 مليار دولار للبحث عن المعادن ونحن من الدول التى تمتلك اقدم هيئة مسح جيولوجى بعد هيئة المسح الجيولوجى الانجليزية ومع ذلك نصيبنا من ميزانية العالم فى البحث عن المعادن تكاد لا تذكر ونحن بلد عتيق لذلك كان مفتاح الفرج هو هذا البحث الذكى عن المعادن المصرية.
ولابد أن يأخذنا الحديث عن صناعات القيمة المضافة المرتبطة بالتعدين فى مصر، فالصناعات التحويلية التى تمثل قيمة مضافة حقيقية فى هذا العصر هى بلا شك صناعة الرقائق الإلكترونية كمثال حى للتحول نحو التمركز على خريطة التعدين العالمية.
لقد ظهر أمام الجميع أن عين العالم كله على تايوان وهى المصنع الكبير لهذه الرقائق أو مايسمى أشباه الموصلات والسؤال الأهم ما هذه الرقائق الإلكترونية وأهميتها؟ وكيف يتم تصنيعها وما المادة الخام التى تعتمد عليها؟ وسنحاول استعراض كل شيء فلقد نبهت الحرب الروسية- الأوكرانية العالم ومن قبلها الجائحة إلى أهمية هذه الرقائق الإلكترونية التى تلزم لكل شيء تعتمد على مادة السيليكون أو الرمال البيضاء «لتدخل فى صناعات كثيرة أولها الصناعات الدفاعية لذلك تحاول امريكا تعزيز إنتاجها المحلى لهذه الرقائق بالتحديد ومنع وصولها إلى الدول المنافسة .
تحدثنا فى سياق كلامنا عن المادة الخام التى تقوم عليها صناعة أشباه الموصلات ألا وهى «الرمال البيضاء» وعندما نتحدث عن الرمال البيضاء فلابد أن نتذكر مصر المحروسة التى لم تفصح أرضها عن أسرارها بعد وهنا يأخذنا الأمر إلى سؤال مهم «لماذا الرمال المصرية بالاخص؟» والإجابة أن الرمال البيضاء أو السيلكون المصرى هو الافضل عالميا فمصر تمتلك أجود أنواع الرمال التى ربما كان المصريون يعرفونها كمزار سياحى طبقا لما هو شائع ولكن الواقع ان المادة الخام لعنصر السيلكون هى عصب التطور التكنولوجى العالمى وهو المادة الخام الرئيسية فى صناعات الخلايا الشمسية وهى قلب الطفرة التكنولوجية الهائلة التى انتقلت بالعالم إلى القرن الحادى والعشرين.
الرمال البيضاء المصرية
الرمال البيضاء المصرية تتميز بنسبة نقاوة وتركيز تبلغ 99.79 ٪ بينما تقل نسبة أكسيد الحديد غير المرغوب فيها عن 01. ٪ لينافس وادى السيلكون الأمريكى الذى تبلغ نقاوته لأقل من 50 ٪ وتوجد الرمال البيضاء المصرية فى وادى الدخل جنوب غرب الزعفرانة الصحراء الشرقية ويبلغ سمك الطبقة الرملية 100متر بدون غطاء صخرى وهو مايقلل من تكلفة الإنتاج وسهولة استخراجها كما تتوفر كميات هائلة منها بسمك كبير فى جبال يلق والمنشرح بشمال سيناء ومنطقة أبو زنيمة وهضبة الجنة بجنوب سيناء والتى تتوفر بها كميات ضخمة من الخام ذى الجودة العالية.
ونظراً لقيمة هذه التروة الطبيعية وما تمثله من دعم الناتج القومى أصدر الرئيس السيسى قرارا عام 2016 بمنع تصدير الرمال البيضاء باعتبارها ثروة قومية وبناء على توصيات مجلس علماء مصر الاستشارى التابع لرئاسة الجمهورية حيث يبلغ احتياطى مصر من الرمال البيضاء 20 مليار طن موزعة على صحارى مصر المتنوعة من شمال سيناء وإلى جنوبها وصحراء مصر الشرقية والغربية فشمال سيناء بها احتياطى 120 مليون طن يمتلك النسبة الأكبر منها منطقة الحسنة بأكثر من 40 مليون طن ويتركز خام جنوب سيناء فى منطقة وادى الجنة وأبوزنيمة والذى يعد الخام الأجود فى مصر والعالم باحتياطى يصل إلى 268 مليون طن واحتياطى جيولوجى أكثر من مليار طن كما أن منطقة وادى الدخل جنوب غرب مدينة الزعفرانة بجبل الجلالة مصحوبة بأكثر من 40 مليون طن من خام الصلصال الثمين فى صناعة الخزف والعوامل الكهربية ويكفى أن نعرف أن مصر كانت تصدر الرمال البيضاء بقيمة 40 دولارا للطن وبعد التصنيع يصبح قيمته 100 ألف دولار وهى القيمة التى يستفيد بها من تم التصدير إليه كأمريكا والصين وغرب أوروبا لاستخراج عنصر السيلكون منه ليستخدم فى صناعة الخلايا الشمسية وحين يستخدم فى صناعة الرقائق الإلكترونية عصب التكنولوجيا من الكمبيوتر والموبايل أو لوحات التحكم التى باتت تحكم الحياة الحديثة للبشر ليبلغ سعر الطن أكثر من 100ألف دولار أى 2500 ضعف سعرتصديره كخام من مصر.
لقد قدر المتخصصون حجم الاستثمارات التى تحتاجها مصر لاستغلال هذه الثروة بنحو 2 مليار دولار تتمثل فى إقامة مصنع منتجات السيلكون والزجاج وهو الأمر الذى يجعل مصر إحدى أغنى دول العالم بعد تصدير هذه المنتجات سواء الزجاجية أو الخلايا الشمسية أو عصب التكنولوجيا صناعة الرقائق الإلكترونية.
ويكفى أن نعرف أن الاتحاد الأوروبى طرح منذ عدة سنوات مشروعاً ضخما للطاقة النظيفة والمتجددة أطلق عليه اسم تكنولوجيا الصحراء حيث كان سيتم استغلال رمال صحراء شمال افريقيا حيث معدل الإشعاع الشمسى فى صحاريها الذى هو الاعلى فى العالم لإنتاج مئات الميجا وات من الكهرباء باستخدام الخلايا الشمسية من أجل تغذية أوروبا ومنازلها ومصانعها بالطاقة المتجددة النظيفة مستخدما السيلكون فى تصنيع الخلايا الشمسية ولذلك قامت مصر بتبنى مشروع إمداد أوروبا بالطاقة المتجددة اعتمادا على الخلايا الشمسية التى سيتم تصنيعها من الرمال البيضاء المصرية ثروة مصر الطبيعية العظيمة.
وفى عام 2018 قامت وزارة البترول بعمل دراسة عن الرمال البيضاء بأنواعها السيليسية والكاولينية فى مصر وخلصت أن البلاد تحظى بكنز لا يقدر بثمن من الخامات المدفونة فى هذه الرمال وشملت الدراسة أعمالا فنية حقلية ومعملية أجريت فى مواقع فى محافظات قنا وشرق وغرب ووسط سيناء وتسود الرمال السيلينية فى شمال الصحراء الشرقية ووادى الدخل ودير الانبا بولا وغيرها وأكدت الدراسة أن نسبة النقاوة تبلغ 99.95 ٪ والرمال الكولينية تصل نسبة الكاولين فيها إلى 38.5 ٪ وهى نسبة عالية جدا بالنسبة للمقاييس العالمية ولقد تم عمل خريطة استثمارية لتواجدات الرمال البيضاء وانواعها المختلفة ونسب تركيز العناصر فيها والاحتياطى الجيولوجى منها كذلك البيانات اللوجستية المختلفة ووزعتها على الجهات المعنية ليصلها البحث وإطلاق المشاريع ذات الصلة فى ضوء الاكتشافات والدراسات كذلك تسهيلا للمستثمرين وذلك لصناعة البصريات والزجاج والخلايا الشمسية وألواحها والفريت والرقائق الالكترونية وكافة الصناعات التكنولوجية الهائلة والمتطورة.
إن رؤية القيادة السياسية الاستشرافية لمستقبل مصر والاستغلال الأمثل لاحتياطى مصر من ثرواتها الطبيعية جعل الوقت قد حان لإقامة صناعة حديثة لتكنولوجيا الرقائق الإلكترونية وأيضا كل ما يرتبط بها من صناعات مستقبلها يرتبط بمستقبل هذه الشريحة حيث تمر هذه الصناعة عالميا بموقف حرج تسببت فيه نقص هذه الرقائق الإلكترونية التى تعتمد عليها صناعة السيارات ومكوناتها وغيرها من المنتجات التكنولوجية بما يسمى الترانز ستورات التى تشكل الدائرة التى ستمنح الهاتف أو الكمبيوتر او السيارة أو حتى الأقمار الاصطناعية القدرات الفائقة وكما عرفنا تسيطر على هذه الصناعة أمريكا وتايوان.
إن مصر التى تقع على مليون متر مربع يحتوى 94 ٪ منها على ثروات هائلة بدءا من الذهب الذى سيحتاج إلى حديث آخر الذى كانت مصر فى العصر الفرعونى اول من استخرجه مروراً بثروات مصر من الغاز والبترول والثروة التعدينية كالفوسفات والمنجنيز والسيلكون والرمال السوداء والالمنيت والرمال البيضاء التى تحدثنا عنها كإحدى ثروات مصر المدفونة واحد كنوزها التى يمكن الاعتماد عليها فى تحقيق نهضة صناعية واقتصادية بما يتم إضافته وبمنع تصديرها كمادة خام وتصنيعها كقيمة مضافة تمثل دعماً للناتج القومي.. خطوات جادة اتخذتها الدولة المصرية لتطوير قطاع التعدين وزيادة كفاءة العنصر البشرى به وذلك بفضل الإدارة الرشيدة الحوكمة والبحث الدائم عن القيمة المضافة وتحقيق الاستغلال الأمثل لثروات مصر الطبيعية من المعادن والرمال والعمل على الوصول لأعلى قيمة مضافة وزيادة مساهمة القطاع التعدينى فى الناتج القومى الإجمالى ليصبح رقماً مهماً فى معادلة تحويل مصر إلى مركز إقليمى وعالمى للطاقة والتعدين أيضا فى إطار رؤيتها الشاملة للتنمية المستدامة والحوكمة الإدارية والمالية لآليات قطاع ومنظومة التعدين فى مصر.
إنها مصر خزائن الأرض التى لم تفصح عن أسرارها بعد وعليه لابد من تغيير النموذج الحالى للبحث والتنقيب واجراء تعديلات على قانون الثروة المعدنية فى إطار تحويل مصر إلى مركز عالمى للتعدين.
واستعداد مصر لمعرض مصر للتعدين يومى 28/29سبتمبر الجارى لنقول للعالم إن المناعة الاقتصادية المصرية ترتفع مع المسح الجوى الجيوفيزيائى على بساط الجغرافيا المصرية فى عصر المعادن الثمينة والتى تحاول فيه أمريكا أن تتلاشى الصدام مع الصين من أجل عيون المعادن الحرجة وإلى حديث آخر.









