كان العلم عبر التاريخ مصدر قوة للإنسان، ولكن ربما للمرة الأولى يصنع الإنسان تقنيةً قادرة على التعلّم، والتحليل، والمساعدة في اتخاذ القرار، ومضاعفة قدراته العلمية والعملية إلى مستويات غير مسبوقة.
إن الذكاء الاصطناعي هو من صنع الإنسان، وفي أصله ليس عدواً ولا شراً، بل يمكن توظيفه في الطب، والتعليم، والبحث العلمي، والصناعة، والزراعة، والاتصالات، وفي مجالات لا حصر لها لخدمة الإنسان.
السؤال الحقيقي ليس في وجود الذكاء الاصطناعي، بل في كيفية استخدام الإنسان له.
لقد أثبت التاريخ أن العلم حين ينفصل عن الأخلاق والمسؤولية والحدود، قد يتحول من وسيلة لإنقاذ الحياة إلى وسيلة لتدميرها. فالعلوم النووية أنتجت الطاقة، لكنها أنتجت أيضاً القنبلة الذرية. وبالمثل، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخدم البشرية، لكن إذا تحوّل إلى أداة في سباق التفوق العالمي، والهيمنة العسكرية، والتنافس غير المنضبط على القوة، فإن الخطر الأكبر لن يكون في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في قرارات الإنسان وطريقة استخدامه له.
واليوم دخلت القوى الكبرى في العالم سباقاً متسارعاً لتحقيق التفوق في مجال الذكاء الاصطناعي. وتُعد الولايات المتحدة والصين من أبرز مراكز تطوير هذه التقنية، ولم يعد التنافس بينهما تجارياً فحسب، بل امتد إلى الاقتصاد، والعلوم، والأمن السيبراني، والأمن القومي. وإذا تجاوز هذا السباق الحدود الأخلاقية ومعايير السلامة، فقد يجد الإنسان نفسه في يوم من الأيام أمام قوة صنعها بيديه ثم جعلها مصدراً للخطر عليه.
ليس صحيحاً القول إن الذكاء الاصطناعي سيؤدي حتماً إلى هلاك البشرية، ولكن ليس صحيحاً أيضاً اعتبار مخاطره الجسيمة مجرد أوهام. فقد ظهرت بالفعل بعض الأضرار الناتجة عن استخدامه، كما أن المخاطر الأشد، وإن لم تكن مؤكدة، بلغت من الجدية ما يجعل تجاهلها أمراً غير مسؤول؛ فالخطر حقيقي، لكن الكارثة ليست حتمية، ولذلك فإن وضع الحدود اليوم خير من الندم غداً.
وهنا يبدو التحذير القرآني الذي نزل قبل أكثر من أربعة عشر قرناً بالغ الدلالة في عصرنا: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]
ويعرض القرآن الكريم في موضع آخر العلاقة بين أفعال البشر وما يظهر في العالم من فساد بصورة أكثر وضوحاً: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41].
وما أعمق هذه الكلمات: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾، فالإنسان اليوم يصنع بيديه قوة يمكن أن تصبح نعمة عظيمة إذا بقيت داخل حدود السيطرة البشرية، والأخلاق، والسلامة، ولكنها قد تصبح مصدراً للخطر إذا جرى تجاوز جميع ضوابط الأمان تحت ضغط الكبرياء القومي، والتنافس، والرغبة في التفوق على الآخرين.
وقد ضرب رسول الله ﷺ مثالاً بليغاً لطبيعة السلوك الإنساني، فذكر رجلاً أوقد ناراً، فجعل الفراش والحشرات تتساقط فيها، وهو يحاول منعها، ثم قال ﷺ: “فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيهَا”. فهل يسير الإنسان المعاصر اليوم بالسرعة نفسها نحو القوة التي صنعها بيديه؟
وفي هذا الظرف، يمكن النظر إلى اللقاء الودي الأخير بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ باعتباره إشارة إيجابية؛ فالاستقبال الحار الذي أقامه الرئيس ترامب والسيدة ميلانيا ترامب للرئيس الصيني وقرينته في واشنطن، وما صاحب ذلك من ضيافة وعشاء رسمي، يبعث برسالة مفادها أن أبواب الحوار والاحترام والثقة المتبادلة لم تُغلق رغم شدة المنافسة الدولية.
ونسأل الله ألا تبقى هذه الأجواء الودية مجرد مراسم دبلوماسية، بل أن تتحول إلى أساس دائم للثقة والصداقة والتعاون المسؤول بين الولايات المتحدة والصين. ويكتسب الاتفاق بين القوتين أهمية خاصة في مجال الذكاء الاصطناعي؛ لأن تفاهمهما حول حدوده واستخداماته قد يكون من أهم عوامل حماية البشرية.
فإذا استطاعت القوى الكبرى أن تتفق على الحد من سباق الذكاء الاصطناعي غير المنضبط، ووضع قيود واضحة على استخداماته العسكرية الخطرة، وحصر تطوره في المجالات التي تخدم الإنسان، فقد يكون ذلك خطوة تاريخية لصالح العالم كله.
وتقتضي مصلحة البشرية أن تبقى الرقابة البشرية الفعلية قائمة على الأنظمة شديدة الخطورة، وألا تُمنح الأنظمة الآلية حرية غير محدودة لاتخاذ قرارات تتعلق بحياة البشر وموتهم، وأن تُفرض ضوابط صارمة على استخدام الذكاء الاصطناعي في الأسلحة النووية وغيرها من الأنظمة العسكرية الحساسة، وأن تُوجد قنوات اتصال فورية وموثوقة بين القوى الكبرى عند وقوع حادث خطير أو خروج نظام متقدم عن السيطرة.
المسألة ليست في وقف التقدم التكنولوجي، بل في إبقاء هذا التقدم خاضعاً لبقاء الإنسان، وسلامه، وأخلاقه.
ويجب على الإنسان أيضاً أن يتذكر أنه، رغم كل إنجازاته العلمية، ليس مالك الكون. يقول القرآن الكريم: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام: 59]. ويحذر القرآن الإنسان من الطغيان حين يظن أنه قد استغنى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: 6–7].
وربما لا يكون الخطر الأكبر في أن الإنسان صنع الذكاء الاصطناعي، بل في أن تدفعه قوته العلمية الهائلة إلى أن ينسى خالقه ومالكه، وأن يتوهم أنه قد استغنى. فعندما ينسى الإنسان حدوده، قد يتحول العلم إلى غرور، والقوة إلى طغيان، والتقدم إلى وسيلة للهلاك.
الذكاء الاصطناعي من صنع الإنسان وليس خالقاً، ويمكن أن يكون في خدمة الإنسان لا أن يحكمه، ويمكن أن يُستخدم لتحسين الحياة لا لتهديدها. وإيماني راسخ بأن شيئاً لا يقع خارج علم الله وإذنه، وأن ورقة واحدة لا تسقط إلا بعلمه سبحانه، ومهما بلغ الإنسان من العلم والتقدم فلن يخرج عن علم خالقه وقدرته وسلطانه، ولكن الله منح الإنسان الاختيار، ولذلك تبقى عليه مسؤولية كيفية استخدام ما أُوتي من علم وقوة.
واليوم تقف الولايات المتحدة والصين وسائر القوى الكبرى أمام خيار تاريخي: هل تجعل من الذكاء الاصطناعي وسيلة لخدمة الإنسان، والسلام، والعلاج، والعلم، والازدهار؟ أم تدفعه، في سباق التفوق والكبرياء، إلى حدود تصبح فيها سلامة الإنسان نفسه معرضة للخطر؟
نأمل أن تكون أجواء الحوار والود التي شهدتها واشنطن بداية وعي عالمي جديد، وأن تتفق القوى الكبرى على حقيقة أساسية: إن تطوير الذكاء الاصطناعي مهم، لكن الاتفاق العالمي على حدوده، والرقابة البشرية عليه، وتوجيهه نحو الاستخدام الإيجابي، أكثر أهمية.. وإلا فقد يأتي يوم ينظر فيه الإنسان إلى الوراء فيجد أن التحذير القرآني قد أصبح واقعاً حياً أمامه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
ولا يزال أمام الإنسان اليوم وقت ليغير الطريق. والسؤال هو: هل سيبقي ما صنعه في خدمته، أم أن سباق التفوق والغرور والطغيان سيقوده بيديه إلى حافة هلاكه؟









