كم موهبة نخسرها كل يوم لأننا نرى الإعاقة قبل أن نرى الإنسان؟ وكم شابًا وشابة يمتلكون مهارات حقيقية، لكنهم يصطدمون بحواجز في سوق العمل لا علاقة لها بقدرتهم على الإنجاز؟
السؤال لم يعد اجتماعيًا فقط، بل أصبح اقتصاديًا أيضًا، خصوصًا في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الذي يبحث باستمرار عن الكفاءات والمواهب. فكيف نتحدث عن توسيع قاعدة المواهب، بينما قد تظل فئات قادرة على العطاء خارج دائرة الاختيار؟
من هنا تأتي أهمية مبادرة هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات «إيتيدا»، بالشراكة مع «الوكالة الألمانية للتعاون الدولي» مصر، لتطوير ممارسات دمج الأشخاص ذوي الإعاقة في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بمشاركة 14 شركة محلية وعالمية، إلى جانب خبراء ومتخصصين وأشخاص ذوي إعاقة.
لكن القضية الحقيقية ليست في إطلاق مبادرة جديدة، وإنما في قدرتنا على تغيير طريقة التفكير نفسها.
فالدمج لا يعني أن نوفر وظيفة ثم نعتبر المهمة انتهت.. الدمج الحقيقي يبدأ من لحظة البحث عن الموهبة، ومن طريقة الإعلان عن الوظائف واختيار المتقدمين وتقييم قدراتهم، ثم توفير بيئة عمل وأدوات مناسبة، وإتاحة التدريب والتطور المهني والترقي. غير ذلك قد يحول الدمج إلى مجرد أرقام جميلة في التقارير.
وهنا تأتي أهمية إعداد «دليل الدمج في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات»، من خلال 15 ورشة وجلسة تفاعلية، لتطوير حلول عملية في التوظيف وبيئة العمل وتنمية القدرات وقياس الأثر. والأهم أن الأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم يشاركون في صياغة هذه الحلول، إلى جانب الشركات والخبراء.
قطاع التكنولوجيا تحديدًا لا يحتمل إهدار أي موهبة.. فمصر تتوسع في التعهيد والخدمات الرقمية، والشركات تحتاج إلى كوادر قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية. وبالتالي فإن دمج الأشخاص ذوي الإعاقة ليس مجرد استجابة لمسؤولية مجتمعية، بل توسيع حقيقي لخريطة المواهب المتاحة أمام الاقتصاد.
لكن الاختبار الأصعب يبدأ بعد انتهاء الورش وإصدار الدليل. هل ستتغير سياسات التوظيف؟ هل ستصبح بيئات العمل أكثر قدرة على استيعاب التنوع؟ وهل سنقيس النجاح بعدد الأشخاص الذين حصلوا على فرص حقيقية، وليس بعدد المشاركين في المبادرة؟
القضية في النهاية ليست أن نمنح شخصًا من ذوي الإعاقة فرصة بدافع الشفقة.. بل أن نمنحه فرصة لأنه يستحقها بموهبته وكفاءته.
وعندما تصبح الكفاءة هي نقطة البداية، لا الإعاقة، نكون قد بدأنا بالفعل في بناء سوق عمل أكثر عدلًا، وقطاع تكنولوجيا أكثر قدرة على اكتشاف كل موارده البشرية.
الموهبة لا تحتاج شفقة.. تحتاج فرصة.









