في السادس من أكتوبر 1973، لم يكن العبور مجرد لحظة عسكرية استثنائية، بل كان درسًا في أن المستحيل يمكن أن يصبح ممكنًا عندما تتوافر الإرادة والتخطيط والعلم وحسن إدارة الإمكانات. فقد واجهت القوات المصرية خط بارليف، ونجحت في عبور قناة السويس وتحقيق أهداف المرحلة الأولى من الحرب، في واحدة من أبرز العمليات العسكرية التي وثقتها المصادر الرسمية لحرب أكتوبر.
وبعد أكثر من نصف قرن، تغير شكل المعركة، لكن جوهر التحدي لم يتغير.
لم تعد الحدود وحدها هي ساحة الصراع، ولم يعد التفوق يُقاس بعدد الدبابات والطائرات فقط. هناك اليوم معارك تدور في الفضاء الرقمي، على شاشات الهواتف، وفي مراكز البيانات، وبين خوارزميات الذكاء الاصطناعي، وفي أسواق التكنولوجيا وسلاسل الإمداد. والمعلومة أصبحت موردًا استراتيجيًا، والبيانات قوة، والأمن السيبراني جزءًا من الأمن القومي.
وهنا تظهر قيمة درس أكتوبر من جديد: لا انتصار بلا استعداد.
كما احتاجت معركة العبور إلى تخطيط دقيق وتدريب وإعداد طويل، تحتاج مصر اليوم إلى بناء قدراتها الرقمية بنفس الروح؛ تعليمًا أكثر ارتباطًا بالتكنولوجيا، وكوادر متخصصة في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، وبنية رقمية آمنة، وقدرة وطنية على إنتاج التكنولوجيا لا مجرد استخدامها.
والأخطر أن المعركة الرقمية قد لا تأتي في صورة هجوم واضح. قد تبدأ بمعلومة مضللة، أو حساب مزيف، أو اختراق قاعدة بيانات، أو استهداف مؤسسة حيوية، أو محاولة التأثير في وعي المواطن. وقد سبق أن تناولت وثائق وندوات عسكرية مصرية تطور الصراعات الحديثة ودور تكنولوجيا المعلومات في التأثير على المجتمعات والأمن القومي.
لذلك فإن الاحتفال بأكتوبر لا ينبغي أن يتوقف عند استعادة مشاهد العبور والبطولة، وإنما يجب أن يتحول إلى سؤال عن عبور جديد: كيف نعبر بمصر إلى عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ونمتلك أدوات المستقبل قبل أن تتحول إلى نقاط ضعف؟
المعركة القادمة ليست بالضرورة على أرض تُرى بالعين.. قد تكون داخل شبكة، أو خادم، أو تطبيق، أو عقل شاب.
وهذا يعني أن حماية الوطن لم تعد مسؤولية المقاتل وحده، وإنما مسؤولية عالم ومهندس ومبرمج وطالب ومعلم وإعلامي ومواطن يعرف كيف يحمي بياناته ويفرق بين الحقيقة والتضليل.
في أكتوبر انتصر المصريون لأنهم عرفوا أن عبور الحاجز يبدأ أولًا من عبور الخوف.
واليوم، نحن أمام حواجز جديدة.. حاجز الجهل الرقمي، والتبعية التكنولوجية، وضعف الوعي، ومخاطر الفضاء السيبراني.
والعبور هذه المرة لن يكون بقوارب على قناة السويس، وإنما بعقول مصرية قادرة على صناعة التكنولوجيا وتأمينها وتوظيفها.
أكتوبر لم ينتهِ.. لكنه غيّر شكل المعركة. والمعركة القادمة.. رقمية.









