إنها قبلة ليست لأهالى القاهرة وإنما لكافة المحافظات.. ففيها كل شيء من الإبرة إلى الصاروخ، كما يقولون وبأسعار تقل عن مثيلاتها بالكثير، لذا باتت تعج بعشرات الآلاف من البشر فى منطقة لا تتجاوز ثلاثة كيلو مترات على أكثر تقدير، ومع مرور السنوات صارت مشكلة أرقت بال المسئولين بسبب الازدحام الرهيب ليس من عدد المرتادين والمحلات التجارية بكافة أنواعها وإنما للباعة الجائلين الذين افترشوا أمام المحلات وفى الطرقات فصار السائر حائراً كيف يتخطى هؤلاء ليصل إلى مراده الذى أتى من أجله للشراء، وكى يضع بضاعته داخل سيارته أو عند تأجير سيارة ينتظر بالساعات حتى يخرج، ورغم ذلك فهى مازالت قبلة المرتادين وستظل لسمعتها التجارية ولعراقتها الممتدة عبر التاريخ.. لذا كان للمسئولين كلمتهم بايجاد مخرج لتطوير المنطقة بما لا يتعارض مع تجارية وتاريخية المنطقة ألا وهى العتبة.. فما الذى حدث؟
الذى حدث هو قيام الحكومة بعمل مشروع متكامل لتطوير العتبة والموسكى انتهت المرحلة الأولى منه وبدأت فى المرحلة الثانية والتى بلغت نسبة الانجاز فيها 90 ٪ أى المشروع بدأ فى الانتهاء وعلى وشك الافتتاح، وهذا ما جعلنى أذهب إلى العتبة لرؤية ما حدث فيها من أعمال، وكانت المفاجأة أنها نقلة نوعية بمعنى الكلمة ولولا الحفاظ على الطرز المعمارية للعمارات المطلة على الميدان لأعتقدت بأننى فى مكان آخر أكثر روعية وجمالاً، جعلنى أتذكر المسلسل الإذاعى الكوميدي، الذى تم تحويله لاحقاً إلى فيلم سينمائى بنفس القصة عام 1969 بطولة فؤاد المهندس وشويكار وتتر المسلسل الذى يقول: «العتبة قزاز والسلم نايلو فى نايلو».. فالعتبة شوارعها من الرصف كأنها قزاز ملون والسلالم بها مثل النايلو أو الحرير مما يعنى جمالية المكان ورونقه الذى يشدك إلى المكان فتعود إليه مرات ومرات.
خلال جولتى لاحظت تغيرات واضحة ولمسات فنية راقية خاصة فى واجهات المحالات وتركيب لافتات براقة مصممة بعناية فائقة بهدف تنظيم الشكل العام للواجهات والمظهر الإعلانى بما يتناسب مع طبيعة المنطقة التاريخية قبل التجارية كسوق عام فيه كل ما ترغبه من بضاعة، وبمعنى أصح تطوير دون تغيير الهوية، وأهم ما لاحظته أيضاً الأرصفة والبردورات بالشوارع والأزقة الداخلية ودهانات واجهات العمارات المطلة سواء على الميدان أو الداخلية مع الاحتفاظ بالطراز المعمارى الأوروبى والذى تلاحظه فى وسط البلد بشكل عام مما يجعله متميزاً ووجهة للزائرين كطابع للقاهرة الخديوية، وبمتابعتى لتصريحات المسئولين علمت بأن البنية التحتية تم تحديثها بالكامل خاصة شبكات المياه وتصريف الأمطار ورفع كفاءة الحماية المدنية لفتح مسارات آمنة لسيارات الاطفاء والاسعاف، وهذا بالتأكيد سيقلل من الحرائق التى حدثت كثيراً نتيجة الاهمال وكإلقاء أعقاب سجائر وحدوث ماس كهربائى وغيرها، وكانت سبباً فى حدوث خسائر بالملايين من الجنيهات بسبب صعوبة دخول سيارات الاطفاء إلى الحوارى والأزقة وبسبب الازدحام الشديد الذى يعوق من الحركة أو يعطل دخول رجال الاطفاء بسرعة قبل أن تمتد النيران من محل إلى آخر.
وأهم ما لفت نظرى هو عملية تنظيم الباعة حيث يتم تصميم وتنفيذ باكيات وطاولات حضارية وموحدة بدلاً من الافتراش العشوائى للبضاعة فى الشوارع مع وجود تاندات للحماية من الشمس والمطر، والأهم من ذلك كثرة تركيب كاميرات مراقبة وتحديث الاضاءة العامة بالشوارع.
صراحة مشروع تطوير العتبة رائع لأنه سيحول المنطقة إلى مركز تجارى حضارى وآمن ينهى التكدس والعشوائية، وفرصة لدمج الاقتصاد غير الرسمى فى الرسمى بالدولة، وفرصة لتحسين مستوى الأمان والسيولة المرورية وحركة المشاة، وتتيح لأصحاب المحلات عرض بضاعتهم بشكل أوضح بعدما كانت عربات الباعة الجائلين تحجب الرؤية وتعيق وصول الزبائن للمحلات، ويذكرنى هذا التطوير بما لاحظته خلال زيارتى إلى بارس وذهابى إلى سوق الباستيل وهو سوق تم بناؤه على أنقاض سجن الباستيل الشهير، فهو منظم والاضاءة فيه قوية والتقسيمات الداخلية واضحة بحيث يمكن للزبون الوصول إلى قسم الملابس الجاهزة أو المأكولات أو الأجهزة الكهربائية أو غيرها بسهولة وبوضوح، رغم أن هذا السوق يقام مرة واحدة كل يوم جمعة فقط، لذا فتطوير العتبة كان مهماً للغاية رغم أنه تأخر طويلاً ولكن لا يهم طالما فيه النفع للجميع وبشكل حضارى ومنظم.
أتمنى بعد افتتاح هذا التطوير قريباً أن يحافظ أصحاب المكان عليه وألا تعود ريمة إلى عادتها القديمة وتصبح العشوائية والفوضوية سيد الموقف.
وعلى أجهزة المحليات عمل حملات لمراقبة السوق بداخل العتبة باستمرار للتأكد من الالتزام بالنظافة وعدم ترك البضائع خارج المحلات، وكذلك الحال بالنسبة للباعة الجائلين الذين هم سبب ما وصلت فيه العتبة إلى حالة يرثى لها فكلفت الدولة الملايين من الجنيهات لتحويل أسواق العتبة والموسكى إلى سوق حضارى سيكون أكثر جاذبية للزبائين وأكثر حركة فى البيع والشراء والنزهة.. شكراً للدولة اهتمامها بسوق من أهم وأقدم الأسواق فى القاهرة.. مرحباً بالتطوير ونحن فى انتظار الافتتاح.









