تبدأ جودة التعليم من حيث يبدأ الطفل رحلته مع المدرسة: من القدرة على أن يقرأ ويفهم، وأن يكتب ويعبّر. ولذلك فإن البرنامج القومي لتنمية مهارات القراءة والكتابة يمثل خطوة مهمة في التعامل مع واحدة من أكثر القضايا تأثيرًا في مستوى التحصيل الدراسي، وهي امتلاك التلميذ للمهارات الأساسية التي يبني عليها بقية معارفه.
الأرقام التي أعلنتها الحكومة تكشف جانبًا مهمًا من نتائج البرنامج. ففي المرحلة الأولى، تراجع عدد التلاميذ الذين يحتاجون إلى تنمية مهارات القراءة والكتابة من 199.2 ألف تلميذ في التقييم القبلي إلى 53.8 ألفًا بعد تنفيذ البرنامج. وفي المرحلة الثانية انخفض العدد من 137.8 ألفًا إلى 35.8 ألف، بينما شهدت المرحلة الثالثة تراجعًا من 72.6 ألف إلى 13.8 ألف تلميذ. وهي مؤشرات تعكس تحسنًا ملموسًا في المهارات المستهدفة، مع أهمية استمرار المتابعة للتأكد من استدامة هذا التحسن.
الأهم في البرنامج أنه لا يتعامل مع المشكلة باعتبارها مجرد ضعف في درجات التلميذ، وإنما يبدأ من تشخيص احتياجاته التعليمية، ثم التدخل والمتابعة وإعادة التقييم. هذه المنهجية تجعل التقييم أداة لتحسين التعلم، وليس مجرد وسيلة لرصد النتائج.
كما أن تدريب 30 ألف معلم، وتنفيذ 7500 زيارة ميدانية، وإنشاء منصة إلكترونية لإدخال استجابات التلاميذ ومتابعة نتائج التقييم، تشير إلى محاولة ربط التطوير التعليمي بالبيانات والمتابعة الميدانية والتكنولوجيا، بدلًا من الاكتفاء بالخطط النظرية.
وفي الواقع المصري، تكتسب هذه الخطوة أهمية أكبر؛ لأن علاج الفجوات التعليمية في سنوات المرحلة الابتدائية يوفر على الطالب والأسرة والمدرسة أعباء تراكمية في المراحل التالية. فالتلميذ الذي يعاني في القراءة والفهم اليوم، قد يجد نفسه غدًا أمام صعوبة في دراسة العلوم والرياضيات والمواد التي تعتمد على فهم النصوص والتعليمات.
لكن نجاح أي برنامج من هذا النوع لا يقاس فقط بما تحقق أثناء فترة التنفيذ، وإنما بقدرته على منع عودة المشكلة. وهنا يصبح استمرار التقييم، ودعم المعلم، واكتشاف حالات التعثر مبكرًا، عناصر أساسية لضمان استدامة النتائج.
التعليم الجيد لا يبدأ من المناهج الأكثر تعقيدًا، وإنما من طفل يستطيع أن يقرأ ويفهم ويكتب ويعبّر. وكل خطوة تعيد هذه المهارات إلى موقعها الصحيح هي استثمار مباشر في مستقبل الطالب وفي جودة التعليم المصري.









