مهموم بلغتنا العربية وما آل اليه حالها، حزين على هجرها والسخرية منها ومن متحدثيها، قلق على هويتنا التى لن تجد وعاء آمنا يحميها بعد ضياع لغتنا العربية، انها قارورة العطر المتبقية دون كسر فكيف نحافظ عليها حتى لا تلحق بشقيقاتها؟ الرئيس مهموم على الدوام بقضية الهوية المصرية التى لا تستقيم وتنضبط إلا بوجود لغة حامية جامعة متماسكة معبرة رصينة، باتت اللغة العربية يتيمة فى ملجأ اللئام، أصبحت غريبة وسط أهلها الذين تنكروا لها، اللغة التى تعتبر أقوى أسلحتنا لمواجهة التغريب او التشريق، لن أزيد فيما قلناه مرارا، لكن حسنًا فعلت مكتبة الإسكندرية حين فتحت أبوابها لمؤتمر «الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة». فالسؤال عن الهوية لا ينبغى أن يبقى حبيس الأوراق البحثية، مهما بلغت أهميتها؛ إنه سؤال يعيش معنا فى المدرسة والبيت والشارع، ويظهر كل يوم على لافتة متجر، وفى اسم منصة إعلامية، وفى اللغة التى نخاطب بها أبناءنا. ويُعقد المؤتمر تحت رعاية الرئيس عبدالفتاح السيسى، بمشاركة مؤسسات الدولة وباحثين ومثقفين، ليناقش الهوية المصرية وما تواجهه الأجيال الجديدة من تحديات.
ومن بين هذه التحديات أرى قضية تستحق مكانًا فى صدارة النقاش: موقع اللغة العربية فى حياتنا العامة. فاللغة وعاء الذاكرة، وأداة التفكير، والجسر الذى تنقل به الأمة خبرتها من جيل إلى آخر. وحين تضعف صلتنا بها، لا نفقد مفردات فحسب، بل تتراجع قدرتنا على التعبير عن أنفسنا بلغتنا.
أتذكر أنني، خلال حضورى مناسبة لتسليم تراخيص عدد من المواقع الصحفية والإخبارية، توقفت أمام كثرة الأسماء الأجنبية التى اختارتها منصات تخاطب جمهورًا مصريًا بالعربية. سألت بعض أصحابها عن دلالة الاسم، فلم أجد دائمًا تفسيرًا يتجاوز الإيحاء بأن الأجنبية تمنح المشروع بريقًا إضافيًا. وهذا المشهد لا يخص الصحافة وحدها. يكفى أن نتأمل أسماء المحال والمقاهى والمشروعات العقارية من حولنا، أو أن نستمع إلى حديثنا اليومي، لنرى كيف تُزاح كلمات عربية واضحة لحساب ألفاظ أجنبية تُستعمل أحيانًا لمجرد الوجاهة.
لا أحد يخاصم تعلم اللغات الأجنبية فإتقانها ضرورة للعلم والعمل والتواصل مع العالم. ومصر، بحكم تاريخها، عرفت كيف تنفتح على الثقافات وتستوعب منها ما ينفعها. لكن الانفتاح يكون أكثر ثقة حين ننطلق من لغة نجيدها ونعتز بها. ومن حق أبنائنا أن يتعلموا الإنجليزية والفرنسية وغيرهما، ومن حقهم كذلك أن يجدوا العربية حاضرة بقوة فى التعليم والمعرفة والإعلام، وقادرة على شرح العلوم الحديثة ومناقشة أسئلة المستقبل.
ولهذا لا يكفى أن نحتفى باللغة العربية فى يومها العالمي، ثم نتركها وحيدة بقية العام، المطلوب عمل ممتد: تعليم يدرب الطالب على الفهم والكتابة والتعبير، وإعلام يحترم سلامة اللغة من غير تكلف، ومؤسسات تقدم خدماتها للمواطن بعبارات عربية واضحة، ومساحة حقيقية للبحث وصناعة المحتوى الرقمى بالعربية، ويمكن أن تكون اللافتات والإعلانات مجالًا لتنظيم يحفظ حضور لغتنا، مع مراعاة طبيعة العلامات التجارية وحقوق أصحابها.
الهوية المصرية التى يناقشها مؤتمر مكتبة الإسكندرية أوسع من عنصر واحد تصوغها الجغرافيا والتاريخ والعمل والفنون والخبرة المشتركة. لكن اللغة تظل الخيط الذى يصل هذه العناصر بعضها ببعض وأتمنى أن يخرج المؤتمر بتوصيات قابلة للتنفيذ تصل إلى المدرسة والشارع والشاشة، وأن يجد الشباب فى العربية لغة يفكرون ويبدعون بها، لا مادة يدرسونها ثم يتركونها عند باب الامتحان. فحين نمنح لغتنا مكانها الطبيعى فى الحاضر، نمنح هويتنا قدرة أكبر على الحياة فى المستقبل.









