تحل هذه الأيام ذكرى رحيل جمال عبدالناصر وهى واحدة من أهم الأحداث الإنسانية فى تاريخنا الحديث.. ففى 28 سبتمبر 1970 رحل عن دنيانا الرئيس جمال عبدالناصر قائد ثورة 23 يوليو 1952 عن عمر يناهز 52 عامًا حيث ولد فى 20 يناير 1918.
رغم تباين الآراء وتعدد الرؤى حول عبدالناصر من 23 يوليو 1952 حتى وفاته إلا أن الصورة الذهنية التى ستظل باقية لدى المصريين أو بالأدق معظم المصريين ومعظم العرب أن الزعيم الوطنى المحب لمصر المناصر للقومية العربية.. حقق لشعبه الكثير من الإنجازات ولا شك أن أهمها هو العدالة الاجتماعية التى عاشها المصريون جميعاً فى ظل حكمه وأنه كان يشعر بالإنسان المصرى البسيط.. ويحل مشاكله حتى قبل أن تحدث.. ولا شك أن جمال عبدالناصر مثله مثل كل إنسان فيما عدا الأنبياء والرسل له ما له وعليه ما عليه ولم يعصمه الله من الخطأ.. فله حسناته الكثيرة وله أخطاء.. مثل كل البشر.. ولكن الأزمة الحقيقية ليست فى الأخطاء بل فى تكبير الأخطاء وإعطائها حجماً أكبر بكثير من حجمها والهدف هو ضرب مصر وتاريخها.. فكل إنجاز مصرى وكل مشروع مصرى متميز مهدد فى ظل الهجمات العدوانية على مصر وتاريخها.
والغريب.. بل والمريب
لم يشاهد العالم جنازة مثل جنازة عبدالناصر عدداً وكيفًا وحباً وتميزاً.. إنها أكبر جنازة لزعيم فى العالم.. لم تشهد دموع الحزن وألم الفراق فقط.. بل شهدت أيضاً تأكيد الحب والانتماء للوطن الذى دافع عنه ناصر ومات من أجله.. لم تخرج ملايين المصريين وحدهم بل خرج ملايين العرب لوداعه حباً وإيماناً بمبادئه وتأكيداً على القومية العربية.. والوحدة العربية حيث كان أكثر القادة العرب حباً وتقديراً.
عندما رحل الرئيس عبدالناصر عن حياتنا كنت فى الثالث الإعدادى وأذكر وقتها حالة الحزن والألم التى عاشتها بلدتى الجمالية دقهلية وكان يعيش فيها آنذاك كثير من أهل بورسعيد والسويس والإسماعيلية كمهاجرين بعد حرب 1967 وكم قضينا أياماً حزينة وذكرت فيها أحداثًا كثيرة عشناها مع ناصر.. وارتبط فيها الإنسان المصرى بثورة يوليو وزعيمها.. خاصة أن بلدتى الجمالية لها تاريخ عريق منذ القدم وزارها الزعيم جمال عبدالناصر عندما زار المنزلة واسمها القديم منزلة القعقاع بن عمرو التميمى حيث دفن فيها الصحابى الجليل القعقاع بن عمرو الذى قال عنه النبى صلى الله عليه وسلم جيش فيه القعقاع لا يهزم أبداً.
زار الرئيس عبدالناصر المنزلة ليزور ضريح البطل المصرى حسن طوبار شيخ صيادى بحيرة المنزلة.. وكان قائداً وطنياً حارب الفرنسيين خلال الحملة الفرنسية وهزمهم فى البحيرة عندما شن الفرنسيون حملة بمراكبهم العسكرية على الصيادين فى البحيرة فاختار شيخهم حسن طوبار اتجاهاً لسفنه عكس تيار الهواء ورمى بزيت فى الماء وأحرقه فطارت النيران عكس الاتجاه ناحية سفن الفرنسيين وحرقتهم فعادوا إلى المنزلة وحسن طوبار للانتقام ولكن هذه المرة كان عن طريق ترعة البحر الصغير التى تأتى من فرع دمياط فى المنصورة حتى البحيرة.. وكانت هزيمة الفرنسيين الكبيرة فى الجمالية من يوم 19 سبتمبر حتى 21سبتمبر 1798 وكان الفرنسيون بقيادة الجنرال داماس وهو أحد قادتهم البارزين قد هاجموا الجمالية فجراً وخرج الأهالى لمواجهتهم وهزموهم وكان انتصاراً جديداً لحسن طوبار ورجاله أيضاً لأن المنطقة كانت كلها تعيش على قلب رجل واحد وعلاقة الأسر مع بعضها علاقة قوية.. وجاء عبدالناصر لتكريم حسن طوبار وأمر بإعادة بناء قصره فى المنزلة.. ثم زار بلاد المنطقة بلداً بلداً.. حتى وصل إلى بلدتى الجمالية وكان يسير فى عربة مكشوفة والأهالى حوله يهتفون باسمه واسم مصر ويذكر أهلى فى الجمالية لأننى كنت صغيراً آنذاك أن أجد شباب الجمالية خطف منديل جمال عبدالناصر وحاول الحرس الإمسام بالشباب لكن عبدالناصر أمرهم بتركه وظلت ذكرى رائعة مع أهالى الجمالية كما كان شباب الجمالية يفخرون دائماً بأنهم يراسلون جمال عبدالناصر وكان يرد عليهم ويرسل لهم صورته الشخصية بتوقيعه.
هذا هو جمال عبدالناصر فى ذكراه.. لم ينسه أحد لأنه كان واحداً منا ويشعر باحساسنا.
.. رحم الله الزعيم جمال عبدالناصر وظلت مصر نبض العروبة وقلب العرب النابض.. برغم كل المحاولات السلبية لهدم تاريخنا الحديث.









