اختتمت مكتبة الإسكندرية اليوم فعاليات مؤتمر «الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة»، الذي أقيم تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، بإطلاق «وثيقة مكتبة الإسكندرية للهوية الوطنية».
شهدت الجلسة الختامية حضور كلٍ من: الأستاذ الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة، واللواء دكتور خالد فودة، مستشار رئيس الجمهورية للتنمية المحلية، والمهندس أيمن عطية، محافظ الإسكندرية، والأستاذ الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، واللواء دكتور أحمد الشربيني، مستشار مدير المكتبة، وبمشاركة واسعة من النواب ورؤساء الجامعات والهيئات والمؤسسات العامة، ونخبة من الإعلاميين والمثقفين والأساتذة الأكاديميين، إلى جانب حشد من الشباب.
مساحة حوارية مستمرة لتعزيز الوعي
وفي كلمته، أكد اللواء أ.ح دكتور خالد فودة أن المؤتمر مثّل مساحة حقيقية للحوار حول قضية الهوية المصرية بمكوناتها وجذورها والتحديات التي تواجهها. وأوضح أن الجلسات على مدار أيام المؤتمر الثلاثة لم تقف عند حد تبادل الآراء، بل تعمقت في مناقشة سبل صون الهوية وتقديمها للأجيال الجديدة بأسلوب يواكب متغيرات العصر، مع التمسك الصارم بثوابت الشخصية المصرية.
وأشار «فودة» إلى أن المشاركة الفاعلة للوزراء والعلماء والمفكرين جنباً إلى جنب مع الشباب، عكست حقيقة أن الهوية مسئولية مجتمعية شاملة لا تقتصر على مؤسسة بعينها؛ حيث يتطلب بناء وعي الأجيال القادمة تكامل الخبرات مع طاقات الشباب وربط الفكر بالعمل.
كما أعلن عن استمرار انعقاد المؤتمر سنوياً، مع التوسع في تنظيم فعالياته بمختلف محافظات الجمهورية والاستماع إلى رؤى المصريين في الخارج، بما يتيح مساحة أوسع للمشاركة والحوار حول قضايا الوعي والانتماء. وشكك على أهمية بناء هوية تعتز بتاريخها وثقافتها، وتحافظ على قيمها، وتملك في الوقت ذاته القدرة على التفاعل مع مستجدات العصر واستيعاب التطور والانفتاح على العلم والإبداع.
مرتكزات وثيقة الهوية الوطنية
من جانبه، استعرض الدكتور أحمد زايد محاور «وثيقة مكتبة الإسكندرية للهوية الوطنية»، التي تشمل تعريفاً للهوية، والمنطلقات النظرية، والدوافع، والمرتكزات الأساسية، والأهداف الاستراتيجية، وصولاً إلى آليات التطبيق. وأوضح أن الوثيقة نتاج حوار مجتمعي واسع وشراكة مؤسسية بين القطاعات الحكومية والأهلية والخاصة؛ لتعزيز الهوية بوصفها أساساً للتماسك الاجتماعي والمواطنة، وركيزة للتنمية، وإطاراً للتفاعل مع العالم.
وأضاف أن الوثيقة تستهدف ترسيخ هوية جامِعة ومتجددة تستند إلى الركائز الحضارية المشتركة للمصريين وتتسع لتنوعهم، مشيراً إلى أنها تخاطب أطرافاً عدة في إطار الشراكة المجتمعية، وفي مقدمتها: الأسرة، والتعليم، والإعلام، والمؤسسات الدينية والثقافية، والمجتمع المدني، والكيانات المعنية بالتواصل مع المصريين بالخارج.
ولفت «زايد» إلى أن الوثيقة تُبرز ارتكاز الهوية المصرية على أسس تاريخية متكاملة تمنح الشعب تماكسه واستمراريته، وهي: وحدة أرض مصر، والذاكرة التاريخية المتصلة، واللغة العربية كأداة تواصل ووعاء ثقافي، ومنظومة القيم الروحية والأخلاقية، وثراء التراث الثقافي المادي وغير المادي، والرموز الوطنية الملهمة، والمواطنة العادلة، وعمق مشاعر الانتماء.
مواجهة التحديات الرقمية والمجتمعية
وأوضح مدير مكتبة الإسكندرية أن الوثيقة تنطلق من وعيٍ تام بالمخاطر الاجتماعية والتحولات المتسارعة؛ كالهيمنة الرقمية، وسيولة الروابط الاجتماعية، وتفشي الثقافة الاستهلاكية، والفوضى الرقمية، فضلاً عن التأثيرات الاقتصادية والسياسية والتقنية. مؤكداً أن التماسك الاجتماعي يعزز مناعة المجتمع، ومن ثم تسعى الوثيقة إلى مجابهة هذه التحديات وترسيخ الوعي لمواجهتها.
وشدد على أن الوثيقة تولي أهمية خاصة لتمكين اللغة العربية كملتقى للمعرفة والإبداع دون تعارض مع إتقان اللغات الأجنبية، ودعم الأسرة لتمكينها من دورها التنشئي والحواري بين الأجيال، إلى جانب دعم المؤسسات المسئولة عن تشكيل مدركات النشء والشباب (كالمدارس والجامعات والمؤسسات الإعلامية والشبابية) لحمايتهم من المؤثرات السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي.
أهداف استراتيجية وآليات تنفيذية
وأشار «زايد» إلى أن الوثيقة تسعى لتحقيق أهداف استراتيجية بارزة، منها:
- تعزيز معرفة المصريين بتاريخهم الوطني بصفته مسيرة حضارية متصلة.
- صون التراث الثقافي والفني والأدبي والعلمي وإتاحته للأجيال القادمة وتكريم رواده.
- تمكين اللغة العربية في الفضاء الرقمي والتعليمي ودعم حركة الترجمة.
- إبراز التنوع الثقافي (الريفي، والحضري، والساحلي، والبدوي) وصون الرموز الوطنية (كالعلَم، والنشيد الوطني، والمعالم الشاخصة).
- تنمية الوعي النقدي والثقافة الرقمية لدى الشباب وإشراكهم في تصميم البرامج الثقافية.
- توثيق الصلة بالمحيط العربي والإفريقي والمتوسطي، وتعميق ارتباط المصريين بالخارج بوطنهم.
- بناء ثقافة قائمة على الثقة بين المواطن وأجهزة الدولة، ونشر قيم التسامح والتعاطف ونبذ الكراهية.
واختتم زايد بالإشارة إلى أن أوراق المؤتمر ومناقشاته ستتحول إلى آليات عمل وبرامج تنفيذية بالتنسيق مع الوزارات والمجتمع المدني، مع التوصية بعقد المؤتمر دورياً في شهر سبتمبر من كل عام، وتنظيم حلقات نقاشية بالمحافظات والجامعات لضمان استمرارية هذا الخطاب الوطني.
يُذكر أن المؤتمر عقد خلال الفترة من 21 إلى 23 سبتمبر، بتعاون مشترك بين مكتبة الإسكندرية ووزارات: التعليم العالي والبحث العلمي، والشباب والرياضة، والثقافة، ومحافظة الإسكندرية. وناقش على مدار ثلاثة أيام الجذور الراسخة للهوية المصرية واستراتيجيات تعزيزها عبر جلسات علمية وحلقات نقاشية بمشاركة نخبة من الوزراء والخبراء والمثقفين.









