تكشف تطورات الأسبوع الثانى والثالث من سبتمبر 2026 أن القضية الفلسطينية دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا تتداخل فيها قضايا إعادة الإعمار، ومستقبل الأرض والسكان، والوضع القائم فى القدس، والتعليم والبحث العلمى، فضلًا عن الصراع على الرواية الإعلامية. وفى الوقت نفسه، تواصل التنظيمات المتطرفة استغلال الصراعات الممتدة والتكنولوجيا الحديثة لتطوير أدوات التجنيد والدعاية، بينما لا تزال ظاهرة الإسلاموفوبيا وخطاب الكراهية تفرض تحديات متجددة على المجتمعات الغربية.
وبقراءة المشهد من منظور مكافحة التطرف، تبدو هذه الملفات مترابطة وليست منفصلة؛ فالحروب الممتدة، والنزوح، وتدهور الخدمات، والاستقطاب السياسى والدينى، وخطابات الكراهية، كلها يمكن أن تخلق بيئات تستغلها التنظيمات المتطرفة فى بناء سرديات المظلومية والتعبئة والتجنيد. لكن ذلك لا يعنى وجود علاقة سببية حتمية بين الأزمات الإنسانية والتطرف، فمسارات التطرف تظل متعددة العوامل ومتباينة من حالة إلى أخرى.
فى غزة، لا يعنى وقف إطلاق النار انتهاء آثار الحرب. فوفق المعطيات الواردة فى التقرير، قُتل نحو 1359 فلسطينيًا منذ بدء الهدنة، فيما بلغ إجمالى ضحايا الحرب منذ أكتوبر 2023 نحو 73,670 قتيلًا و174,600 مصاب. كما أدى انهيار مبنى سكنى متضرر فى مدينة غزة إلى مقتل 21 شخصًا، بينهم 12 طفلًا، وإصابة نحو 25 آخرين، وسط تقديرات بوجود قرابة ألفى مبنى معرض للانهيار.
وتكشف هذه الأرقام أن انتهاء العمليات العسكرية الواسعة لا يعنى انتهاء المخاطر. فالبنية الأساسية لا تزال منهكة، والقطاع الصحى يواجه نقصًا كبيرًا فى الوقود والأدوية والمعدات، مع توقف أكثر من 70 % من المولدات الرئيسية للمرافق الصحية وفق المعطيات الواردة، بينما يحتاج نحو مليونى فلسطينى إلى مساكن آمنة ومياه وعلاج وكهرباء ومدارس.
وتزداد صعوبة المشهد مع استمرار عدم الحسم النهائى لعدد من الملفات المرتبطة بإدارة القطاع، ونزع السلاح، والانسحاب الإسرائيلى، والترتيبات الأمنية والسياسية. ومن ثم، فإن إعادة الإعمار لا يمكن فصلها عن التسوية السياسية والأمنية، فى وقت لا تحتمل فيه الاحتياجات الإنسانية الانتظار.
وهنا تبرز إحدى أهم مفارقات المرحلة الحالية: فبينما تحتاج غزة إلى إعادة بناء سريعة للبنية الأساسية والخدمات، فإن مستقبل إعادة الإعمار يظل مرتبطًا بترتيبات سياسية وأمنية لم تستقر بصورة نهائية. وكلما طال أمد هذا الفراغ، زادت احتمالات تحول الأضرار المؤقتة إلى وقائع دائمة.
الضفة الغربية.. عندما يصبح النزوح جزءًا من المشهد
فى الضفة الغربية، حذر مكتب مفوض الأمم المتحدة السامى لحقوق الإنسان من مخاطر النقل القسرى فى مخيمات جنين ونور شمس وطولكرم، مع بقاء أكثر من 33 ألف شخص نازحين وغير قادرين على العودة. كما تضرر أكثر من نصف مساكن مخيم جنين، و48 % من مساكن نور شمس، و36 % من مساكن طولكرم، بالتوازى مع أضرار فى الطرق وشبكات المياه والكهرباء وقيود على وصول المساعدات. كما وثقت المعطيات أكثر من 1140 هجومًا نفذه مستوطنون خلال العام الجارى.
وتتجاوز خطورة النزوح الجانب الإنسانى عندما يقترن بتدمير المساكن والبنية الأساسية واستمرار التوسع الاستيطاني؛ لأن استمرار هذه الأوضاع قد يؤدى إلى تغيرات طويلة الأمد فى الواقع السكانى والجغرافى.
ويتصل بذلك النقاش حول إعادة النظر فى ترتيبات أوسلو ومناطق «أ» و«ب» و«ج»، إلى جانب طروحات بشأن توسيع النشاط الاستيطانى فى مناطق مفتوحة، من بينها عارورة–سلفيت، مع الإشارة إلى نحو 12 ألف دونم من أراضى الدولة. كما يظل مشروع «1E» من الملفات شديدة الحساسية، بالنظر إلى المخاوف المتعلقة بتأثيره فى التواصل الجغرافى بين التجمعات الفلسطينية.
ومن هنا، لم يعد الاستيطان مجرد قضية مرتبطة بعدد الوحدات السكنية، وإنما أصبح مرتبطًا بصورة الخريطة المستقبلية للضفة الغربية وإمكانات أى تسوية سياسية لاحقة.
ويزداد المشهد تعقيدًا مع التوتر الأمنى المتصاعد، إذ عزز الجيش الإسرائيلى انتشاره فى الضفة إلى 26 كتيبة، بينها تسع سرايا مقاتلة. وشهدت الفترة محل الرصد حوادث مرتبطة بالأراضى والرعى والمستوطنات فى الأغوار وسلفيت، إلى جانب تقارير عن حرائق فى منطقة وادى البالت على طريق رام الله – نابلس.
وتكشف هذه التطورات هشاشة البيئة الأمنية؛ إذ يمكن لحادث محلى مرتبط بالأرض أو الرعى أن يتحول إلى مواجهة أوسع فى ظل حالة الاستقطاب القائمة.
القدس.. البعد الدينى يضاعف حساسية المشهد
فى القدس، اكتسبت التطورات المرتبطة بالمسجد الأقصى حساسية إضافية خلال عيد رأس السنة العبرية. ووفق المعطيات الواردة، اقتحم نحو 550 مستوطنًا باحات المسجد خلال اليوم الثانى من العيد، فيما شارك نحو 220 شخصًا فى طقوس تضمنت النفخ فى الشوفار والسجود والإنشاد والرقص.
وتتجاوز أهمية هذه التطورات مسألة الأعداد إلى طبيعة الممارسات والدعوات إلى توسيع نطاق الطقوس داخل المسجد، بما يضيف بُعدًا دينيًا إلى التوتر السياسى والأمنى القائم.
وفى هذا السياق، حذر مرصد الأزهر لمكافحة التطرف من الدعوات الرامية إلى تغيير الوضع القائم فى المسجد الأقصى، مؤكدًا تمسكه بالطابع الإسلامى للمسجد.
هل تغيرت صورة المسلمين؟
ويتزامن الأسبوع الثانى من سبتمبر 2026 مع مرور 25 عامًا على هجمات 11 سبتمبر 2001، وهى ذكرى أعادت إلى الواجهة النقاش حول العلاقة بين مكافحة الإرهاب والإسلاموفوبيا وخطاب الكراهية.
فخلال ربع القرن الماضى، شهدت المجتمعات الغربية تحولات عميقة فى طريقة تناول قضايا الأمن والهجرة والإسلام والهوية الوطنية. وبينما تراجعت بعض صور الاستهداف المباشر للمسلمين فى عدد من السياقات، ظهرت أنماط أكثر تعقيدًا ارتبطت بالخطاب السياسى والمنصات الرقمية والهجرة والحجاب والمؤسسات الإسلامية.
وتظل إحدى القضايا الأساسية هى كيفية تحقيق التوازن بين مكافحة الإرهاب وحماية الحريات ومنع التمييز. فمكافحة الإرهاب وظيفة أساسية للدولة، لكن التعامل مع تهديد محدد يستند إلى معلومات وأدلة يختلف بصورة جوهرية عن الانتقال من الاشتباه فى سلوك أو تنظيم محدد إلى الاشتباه فى جماعة دينية أو عرقية واسعة.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين الأمن القائم على السلوك والأدلة، والأمن القائم على الصور النمطية.
وينطبق الأمر ذاته على الخطاب السياسي؛ فنقد الإسلاموية أو التنظيمات المتطرفة يظل جزءًا مشروعًا من النقاش العام عندما يستند إلى أفكار وأفعال وأدلة محددة، لكنه يتحول إلى خطاب إقصائى عندما يقدم المسلمين باعتبارهم كتلة واحدة أو مصدرًا موحدًا للخطر.
ما بعد الحرب.. الخطر فى تثبيت الوقائع
تجمع تطورات الأسبوع الثالث من سبتمبر بين مسارات مترابطة: غزة تواجه تحديات البقاء وإعادة الإعمار، والضفة الغربية تواجه تغيرات تمس الأرض والسكان، والقدس تشهد تصاعدًا فى البعد الدينى، بينما تنتقل بعض المواقف الأوروبية نحو أدوات اقتصادية وقانونية، وتمتد تداعيات الحرب إلى الجامعات والبحث العلمى والرواية الإعلامية.
ومن ثم، فإن التحدى لا يتعلق فقط بوقف العمليات العسكرية، وإنما بمنع تحول آثار الحرب إلى وقائع دائمة على الأرض: منع تحول الدمار إلى واقع مستقر، والنزوح إلى تهجير طويل الأمد، والتوسع الاستيطانى إلى حقائق جغرافية جديدة، والتوتر الدينى إلى صراع أوسع، والحرمان التعليمى إلى فجوة معرفية تمتد لسنوات. تكتسب هذه المسألة أهمية إضافية؛ فاستمرار الحرب والتهجير والدمار، بالتوازى مع الاستقطاب السياسى والدينى، قد يوفر للجماعات المتطرفة مادة تستغلها فى بناء سرديات المظلومية والتعبئة والتجنيد. غير أن ذلك لا يعنى أن الأزمات الإنسانية تؤدى تلقائيًا إلى التطرف، وإنما يعنى أن استمرارها دون أفق سياسى وإنسانى واضح قد يوسع المساحات القابلة للاستغلال.
لذلك، فإن حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات، ومنع التهجير القسرى، والحفاظ على التعليم، وإعادة الخدمات الأساسية، وحماية الأماكن المقدسة، ليست مجرد استجابات إنسانية وقانونية، وإنما يمكن أن تسهم أيضًا فى تقليص البيئات التى تستغلها الجماعات المتطرفة.
وفى المقابل، فإن الخطاب الذى يخلط بين أفعال الحكومات والجيوش وبين الشعوب أو الأديان والجماعات الدينية قد يحول الصراع السياسى والعسكرى إلى استقطاب مجتمعى أوسع، ويوفر للتنظيمات المتطرفة أدوات إضافية للتعبئة.
التطرف فى عالم متغير..
من ساحات القتال إلى الفضاء الرقمى
تكشف أحداث الأسبوع استمرار تعدد بؤر التطرف والإرهاب فى عدد من مناطق الصراع العربية والإفريقية، بالتوازى مع تحول التكنولوجيا الحديثة إلى عنصر متزايد الحضور فى أنشطة التنظيمات والجماعات المتطرفة؛ بدءًا من الدعاية والتجنيد والاستقطاب، وصولًا إلى التخطيط للعمليات واستخدام الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعى والمنصات المشفرة.
وهذا التحول يعنى أن التهديد الإرهابى لم يعد محصورًا فى التنظيمات المركزية ذات الهياكل الهرمية، بل أصبح أكثر مرونة ولا مركزية، مستفيدًا من الخلايا الصغيرة والشبكات العابرة للحدود والفضاءات الرقمية التى تتيح الوصول إلى شرائح عمرية أصغر، ولا سيما الأطفال والمراهقين والشباب.
وخلال جلسة لمجلس الأمن فى 11 سبتمبر 2026، حذرت الأمم المتحدة من تنامى استفادة الجماعات الإرهابية والعنيفة المتطرفة من الذكاء الاصطناعى والطائرات المسيرة والمنصات المشفرة ووسائل التواصل الاجتماعى وبيئات الألعاب الإلكترونية فى عمليات التجنيد والاستقطاب.
وهنا تتغير طبيعة المواجهة؛ فمكافحة الإرهاب لم تعد قضية أمنية ميدانية فحسب، وإنما أصبحت مرتبطة كذلك بالأمن الرقمى، والتربية والإعلام، والقدرة على بناء المناعة الفكرية والرقمية لدى الفئات الأكثر عرضة للاستغلال.
صراعات مفتوحة.. وبيئات قابلة لإعادة إنتاج التطرف
فى السودان، تواصلت المواجهات بين الجيش وملشيات الدعم السريع، بالتزامن مع هجمات بطائرات مسيرة على الخرطوم وتصاعد القتال فى النيل الأزرق، إلى جانب نشاط شبكات لتجنيد مقاتلين أجانب ونقلهم إلى البلاد. وتعكس هذه التطورات اتساع دائرة العسكرة وتعدد الأطراف المسلحة، بما يفاقم انتشار السلاح واقتصاديات الحرب، ويهيئ بيئة يمكن أن تستفيد منها شبكات التجنيد والتهريب.
وفى سوريا، تزامنت حادثة حريق سجن عين العرب وسقوط ضحايا مع استمرار التحركات الإسرائيلية فى الجنوب وسقوط ضحايا مدنيين واستمرار الاعتقالات. وتبرز الحالة السورية مخاطر استمرار هشاشة الوضع الأمنى وتعدد مناطق النفوذ، إذ يمكن للفراغات الأمنية والاجتماعية أن تتيح للتنظيمات المتطرفة إعادة التموضع أو التجنيد، خاصة فى المناطق التى تعانى ضعف الخدمات والحماية.
وفى العراق، أسفرت ضربات جوية عن مقتل عنصرين من تنظيم داعش فى كركوك وديالى، بما يؤكد استمرار نشاط الخلايا الصغيرة رغم تراجع قدرة التنظيم على السيطرة المكانية. وفى مصر، صدرت أحكام بالسجن المشدد فى قضايا تتعلق بالانضمام إلى جماعات إرهابية وتمويلها، بينما شهد خليج عدن استيلاء مسلحين على ناقلة نفط قبل إطلاق سراحها.
وتكشف هذه التطورات عن تداخل متزايد بين الإرهاب والجريمة المنظمة والاختطاف وتهريب السلاح، بما يجعل مواجهة التهديدات العابرة للحدود بحاجة إلى تتبع التمويل والشبكات اللوجستية ومسارات التهريب، إلى جانب الإجراءات الأمنية التقليدية.









