أتذكر يوم وصولي إلى مصر جيدًا، جئت إلى أرض العلم والحضارة، وأنا أحمل حلمًا كبيرًا بأن أكون جزءًا من هذا الصرح الذي ظللنا نسمع عنه في بلادنا باعتباره قبلةً للعلم ووجهةً لكل من يريد التزود بعلوم الدين واللغة العربية.. جئت سعيدًا وممتلئًا بالإرادة، وكل ما أتمناه أن يمنحني الله القدرة على الثبات حتى أصل إلى ما جئت من أجله.

حلم يبدأ من مدارس عربية صغيرة في بنين
اللغة الرسمية في بنين هي الفرنسية، لكن المسلمين هناك يحرصون على إنشاء مدارس عربية، كثير منها يقوم على جهود شخصية حتى يتعلم أبناؤهم اللغة العربية وعلوم الدين، ويحلمون يومًا باستكمال دراستهم في إحدى الدول العربية.
كنت أتحدث العربية ولكن ليس بطلاقة، وكانت فكرة السفر إلى مصر والأزهر بالنسبة لي هدفها طلب العلم، لا البحث عن مكاسب دنيوية. كانت أسرتي تؤمن بهذا الحلم، وأرسلوني إلى مصر وأنا أحمل أمنيتهم بأن أعود وقد نلت نصيبًا من علوم الدين واللغة العربية لأفيد بها أبناء بلدي، لكن الحياة كانت تخبئ لي اختبارًا لم أتوقعه.
أصعب لحظات الغربة
خلال وجودي في مصر رحل والدي ثم والدتي، ولم أتمكن من السفر لرؤيتهما.. هناك أحزان لا يستطيع الإنسان أن يفهم عمقها إلا حين يعيشها بنفسه، وكانت تلك من أصعب اللحظات التي مررت بها في حياتي..
لكن في هذه المحنة اكتشفت المعنى الحقيقي لما تعلمته في الأزهر عن الصبر، وتذكرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدوتنا في مواجهة الابتلاء، ووجدت حولي أسرة لم تكن تربطني بها صلة دم، لكنها وقفت إلى جواري وكأنها أسرتي الحقيقية؛ فأصدقائي من بنين ومن مختلف الدول وأساتذتي ومشرفي جميعهم كانوا سندًا لي.. اتصالات وزيارات ودعوات، واجتمعوا معي للدعاء لوالديّ وتخفيف حزني..
في تلك اللحظات لم أشعر أنني وحيد، لقد علمني الأزهر أن العلم ليس كتبًا ومحاضرات فقط، وإنما إنسانية ومواقف ومساندة في وقت الشدة.
ما سمعناه عن الأزهر وجدناه على أرض الواقع
كنا نسمع في بلادنا عن مصر وتاريخها العريق، وعن الأزهر الذي ذاع صيته في العالم كله، وكنا نرى أثر خريجي الأزهر الذين عادوا إلى بلادهم حاملين علمًا وفكرًا وسطيًا بعيدًا عن التطرف.. هؤلاء كانوا خير سفراء للأزهر، ومن خلالهم نشأ حلمنا بالسفر إلى مصر.
وحين جئت اكتشفت أن الحقيقة أجمل مما سمعناه؛ وجدت علماء متمكنين، وأساتذة مخلصين، ومؤسسات وقطاعات متكاملة لم أكن أعرف حجمها من قبل، وأدركت أن الأزهر ليس مجرد مكان للدراسة بل منظومة متكاملة تهتم بالطالب علميًا وإنسانيًا وفكريًا، وخاصة بالنسبة للوافدين؛ إذ وجدت اهتمامًا حقيقيًا بحقوقهم وتأهيلهم ومساعدتهم على أن يعودوا إلى بلادهم وهم أكثر قدرة على حمل رسالة الأزهر.
حين يعرفون أنك أزهري يفتحون لك القلوب
عندما جئت إلى مصر لم أتوقع أن أبقى كل هذه السنوات؛ كنت أظن أن الاندماج سيكون صعبًا بسبب اختلاف الثقافات واللغات والعادات، لكنني فوجئت بأهل مصر؛ وجدتهم مضيافين، قريبين من الناس، يجعلون الغريب يشعر بأنه بين أهله.. وإذا عرفوا أنك طالب أزهري تجد اهتمامًا ومحبة ربما تفوق توقعاتك. صحيح أن الغربة لها صعوباتها، لكن استقبال الناس وحسن معاملتهم يذلل الكثير منها.
حكايتي مع الطعام المصري
من التحديات التي يواجهها أي وافد اختلاف الطعام والعادات؛ ففي البداية كانت الأكلات المصرية جديدة بالنسبة لي، لكنني قررت أن أجرب وأتأقلم، فتعرفت على الكشري والتعمية والمحشي والمشويات واكتشفت أنها أكلات لذيذة، بل إن بعض الأطعمة المصرية تشبه ما نأكله في بنين؛ فلدينا أطعمة تعتمد على الأرز واللحوم وصلصة الطماطم، وهو ما جعل الأمر أسهل..
ربما يرفض بعض الوافدين تجربة الطعام الجديد، لكنني كنت أرى أن الاندماج الحقيقي يبدأ من التفاصيل الصغيرة: أن تتعرف إلى حياة الناس وعاداتهم وتشاركهم تفاصيل يومهم.









