في رحاب الأزهر الشريف، تتجاوز تجربة الطلاب الوافدين حدود التحصيل العلمي، لتصبح رحلةً لبناء الإنسان، وصناعة الوعي، ومد جسور التواصل بين الشعوب.. فهنا يلتقي طلاب من مختلف دول العالم بمنهج أزهري يجمع بين العلم، والقيم، والانفتاح على قضايا العصر، ليعودوا إلى أوطانهم حاملين رسالة علمية وإنسانية تتجاوز الحدود..
وفي هذا الحوار، يفتح الأستاذ الدكتور سلامة داود، رئيس جامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية، قلبه لـ «الجمهورية»؛ ليكشف ملامح تجربة الوافدين في رحاب الأزهر.
ما دور الطلاب الوافدين في ترسيخ رسالته العالمية؟
الطلاب الوافدون في الأزهر الشريف هم تجسيد لرسالته العالمية، ودوره في نشر العلم والتقارب بين شعوب العالم من أرض مصر المحروسة؛ إذ يدرس بجامعة الأزهر ما يقرب من نصف مليون طالبٍ في نحو 140 كلية ومعهدًا ملحقًا بها في جميع محافظات مصر، منهم نحو 35 ألف طالبٍ وافدٍ في جامعة الأزهر، كما يدرس حوالي 55 ألف طالب وافد في التعليم قبل الجامعي بقطاع المعاهد الأزهرية. وتجسد أعداد الطلاب الوافدين وتنوع دولهم هذه الرسالة التي حملها الأزهر الشريف عبر القرون.
ما الذي يميز تجربة الطلاب الوافدين في الأزهر الشريف؟
يبقى للأزهر دائمًا ما يميزه عن مؤسسات التعليم في كل مكان؛ فحين أضاف مادة الفقه إلى كليات الطب والتجارة، جعل الفقه في كليات الطب بطعم الطب، ليدرس الطالب فيه الأحكامَ الشرعية التي لا غنى للطبيب عنها، من المحافظة على أسرار المريض، والحرص على أخلاقيات المهنة، وحكم التلقيح المجهري، وأطفال الأنابيب، ونقل الأعضاء، وغير ذلك مما يستجد في واقع الحياة.
وفي كليات التجارة جعل الفقه بطعم التجارة، فدرس الطالب كل ما يتعلق بالمصارف، والبنوك، والتورق المالي، والاستثمار، وغير ذلك مما يستجد؛ ولذا لم يكن بعيدًا أن يتربع في التصنيف العالمي على ذروة الجامعات المصرية وأن يكون في الترتيب الأول.
وحين أضاف في العام الماضي كليتين للذكاء الاصطناعي، أدرج في مقررات الطلاب مادة تقوم على أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وحرمة التجسس، والحفاظ على الحرية الشخصية، ونحو ذلك مما تميزت به هاتان الكليتان عن جميع الكليات. وفي كليات الطب البيطري تميزت جامعة الأزهر بإضافة المحتوى العلمي الذي يبين أحكام الإسلام في طعامه وشرابه وغذائه بما يحفظ صحته ويحفظ بالتالي صحة الإنسان.
كما أنه يرعى حريةَ الرأي والفكر ويربي أبناءه على ذلك، كما يربيهم على ضرورة الاجتهاد والتجديد والاستنباط؛ ولذا كان طلابُ العلم في الأزهر مُثُلاً عليا في الجد والإقبال على العلم والانقطاعِ له، لم يكن همُّهم اجتيازَ عقبة الامتحان، بل الاستعداد والتأهب لحمل أمانة العلم وتأدية رسالة الإسلام. ولن تجد في الدنيا كلها أحدًا من أولي الفضل يُلقب بـ «صاحب الفضيلة» إلا علماءَ الأزهر.
ما دور الطلاب الوافدين في نقل رسالة الأزهر وتعزيز مكانته في العالم الإسلامي؟
إن الطلاب الوافدين إلى الأزهر الشريف يمثلون امتدادًا طبيعيًا لرسالته العالمية، ويحملون بعد تخرجهم ما تعلموه من علومه ومناهجه إلى بلادهم، بما يعزز حضور الأزهر وتأثيره في العالم الإسلامي،
وهو ما يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعصور الذهبية للأزهر الشريف. فالعصور الذهبية للأزهر الشريف – كما ذكر الشيخ محمد المدني، عميد كلية الشريعة الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء، في كتاب «في سبيل الأزهر» – هي التي كان فيها الأزهر موجهًا للحياة، مضطلعًا برسالته الكبرى في القيام على حفظ الشريعة واللغة، وشحذ همة الأمة لاستعادة مجدها وعزها..ومن هنا فإن طلابه الوافدين لا يتلقون العلم فحسب، وإنما يحملون هذه الرسالة إلى مجتمعاتهم، بما يرسخ مكانة الأزهر ومنهجه المعتدل خارج مصر.
وقوة الأزهر الشريف قوةٌ لمصر، وزعامته للعالم الإسلامي تعني زعامة مصر للعالم الإسلامي؛ لذا كانت كلمات شيوخ الأزهر لها وزنها وتقديرها ومكانتها وتأثيرها في العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، وبخاصة في الأزمات التي تكسف الأبصار..
ودونك كلمات الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، في هذه الحوالك التي عاشتها الأمة في حرب غزة والعدوان الصهيوني الغاشم عليها؛ فهذه الكلمات صيغت من النور والحكمة، وأماطت اللثام عن دعاوى الحرية والعدالة في النظام العالمي الذي عجز عن نصرة المظلومين الذين يتعرضون لإبادة جماعية لم يشهد لها العالم مثيلًا..
ومن هنا، فإن وجود الآلاف من الطلاب الوافدين في رحاب الأزهر، ثم عودتهم إلى بلدانهم، يمثل أحد أهم الجسور التي تصل رسالة الأزهر إلى مختلف أنحاء العالم، وتؤكد أنه مصري الموطن، عالمي الرسالة والتأثير.
كيف يحرص الأزهر الشريف على اكتشاف ورعاية مواهب الطلاب الوافدين؟
يحرص الأزهر الشريف على رعاية كل ذي موهبة صادقة من الطلاب المصريين والوافدين على اختلاف ألسنتهم وألوانهم؛ لذلك أنشأ فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف ورائي المواهب والفنون، مسابقات فنية كثيرة، من أهمها مسابقة «مئذنة الشعر» ومسابقة «مواهب وقدرات» وغيرها، وتُشرف عليها الأستاذة الدكتورة نهلة الصعيدي، مستشارة فضيلة الإمام لشؤون الوافدين..
وإذا كانت «مئذنة الشعر» هذه تؤذن كل عام، فإن معاهد الأزهر الشريف وكلياته يتردد فيها صوت الشعر ليلًا ونهارًا، ولا تفتر عن ترداده وحفظه وإنشاده والتمثل به في المحاضرة والمذاكرة، في قاعات الدرس والتحصيل،
وفي المحافل والمناسبات الدينية والوطنية، وفي الحكمة حين تخرج من قلب الحكيم، والفرحة حين تشع نورها في القلوب، وعند الألم والأمل، والنصر والظفر. فالشعر في الأزهر الشريف جامِعًا وجامِعةً لا يخبو ضوؤه، ولا ينطفئ سراجه؛ فالشعب المصري متذوق للشعر والأدب الرفيع، حتى قال صلاح الدين الأيوبي: “لم أفتح مصر بالسلاح، وإنما فتحتها بقلم القاضي الفاضل”.
كيف يسهم تعليم الطلاب الوافدين في بناء الإنسان وخدمة أوطانهم ومجتمعاتهم؟
في رسالة الأزهر التعليمية للطلاب، لا يقتصر التعليم على تحصيل المعرفة، وإنما يستهدف بناء الإنسان النافع لوطنه وأمته والناس جميعًا. نتفق جميعًا على أن أسمى غايات التعليم هي بناءُ الإنسان، وأن بناء الإنسان يستلزم بالضرورة بناءَ الأوطان؛ وبهذا يكون المتعلم نافعًا لنفسه، ونافعًا لوطنه، ونافعًا لأمته، ونافعًا للناس جميعًا.
وتلك هي الغاية التي وجدتُ دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم يدور حولها ويركز عليها في مجال العلم، وهي النفع والانتفاع، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أسألك علمًا نافعًا»، «اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علمًا»، «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع».
وبهذا يؤتي التعليم ثمرته ويحقق غايته، لا فرق في ذلك بين المؤهلات العليا والمؤهلات الوسطى والمؤهلات الصغرى، والمؤهلات العلمية والمؤهلات الفنية؛ فالكل يسير نحو غاية واحدة، ولا تقوم حياة الناس إلا بالجميع، فالكل يخدم الكل، وليست القيمة في درجة المؤهل الذي نحمله، بل القيمة فيما يثمره المؤهل من إتقان العمل وإحسانه وتجويده.
وفي «سير أعلام النبلاء» من علمائنا عبر التاريخ، نرى كثيرًا منهم جمعوا بين النبوغ في علم من العلوم والنبوغ في مهنة أو صنعة أو حرفة، وظهرت حرفُهم في أسمائهم وألقابهم؛ كالزجَّاج وهو من أكابر علماء النحو، سُمي بالزجاج لمهارته في صناعة الزجاج،
ومنهم الآجري، والخراز، والخباز، والصبان، والقطان، والقصاب، والنجار، والحداد، بل ومنهم الإسكافي—أعزكم الله—وهو الذي يصلح الأحذية، والخطيب الإسكافي من أشهر علمائنا الذين ألفوا في متشابه القرآن الكريم. ومنهم من اشتغل مع العلم بالتجارة كالإمام الليث بن سعد والإمام مسلم، وكان كثير منهم لا يتكسب بعلمه، بل يتكسب ويعيش من حرفته.









