تتجاوز مدينة البعوث الإسلامية دورها كمكان لإقامة الطلاب الوافدين؛ لتقدم منظومة متكاملة من الرعاية والاحتواء تبدأ بالسكن والإعاشة، وتمتد إلى الأنشطة الترفيهية والثقافية وتهيئة أجواء تساعد على التقارب بين الطلاب من مختلف الجنسيات والثقافات، والتعامل مع ما قد يواجهونه من تحديات الغربة واختلاف اللغة والاندماج في مجتمع جديد، والعمل على حل مشكلاتهم بما يوفر لهم حياة أكثر استقرارًا وأمانًا.. هذا الدور المتعدد يجعل من المدينة مساحة تتكامل فيها الرعاية مع رسالة الأزهر التعليمية والثقافية..
فتصبح إقامة الطالب فيها ليست مجرد سنوات يقضيها بعيدًا عن وطنه، وإنما تجربة إنسانية متكاملة تترك أثرًا في شخصيته ونظرته إلى مصر والأزهر.. «الجمهورية» حاورت عصام القاضي، رئيس قطاع مدن البعوث الإسلامية.

ماذا تمثل مدينة البعوث الإسلامية في منظومة رعاية الطلاب الوافدين بالأزهر؟
مدينة البعوث الإسلامية ليست مجرد مكان لإقامة الطالب الوافد وإعاشته، وإنما هي أحد أهم الأوعية التي تحتضن الطالب منذ وصوله إلى الأزهر، وتوفر له البيئة التي تساعده على الاستقرار والتحصيل العلمي والتعايش مع زملائه من مختلف دول العالم؛
فالطالب يأتي إلى مصر محملًا بآمال كبيرة، وربما يترك أسرته ووطنه لأول مرة، ولذلك فإن مسؤوليتنا لا تتوقف عند توفير السكن والإعاشة، وإنما تمتد إلى رعايته علميًا وثقافيًا واجتماعيًا وإنسانيًا، حتى يعود إلى بلده وهو يحمل علم الأزهر ومنهجه وقيمه، وتظل مصر في وجدانه ترتبط بها ذكريات طيبة.

هل يقتصر دور المدينة على السكن والإعاشة؟
بالتأكيد لا يقتصر الدور على السكن والإعاشة، فمدينة البعوث جزء من منظومة تربوية متكاملة؛ إذ تضم طلابًا من جنسيات وثقافات ولغات متعددة، وهذه في حد ذاتها مدرسة كبيرة في التعايش وقبول الآخر واحترام الاختلاف. كما توجد إدارة لرعاية الشباب تهتم بجميع الجوانب العلمية والثقافية والترفيهية والمسابقات، ويتم تنظيم رحلات ومعسكرات على مدار العام وخاصة في الفترة الصيفية.
ويُعد مسجد المدينة بعد تطويره من أهم معالمها، والتجديد لم يقتصر على الحجر بل انتقل إلى البرامج الثقافية وشرح كتب التراث والدروس العلمية بعد كل صلاة ابتداءً من صلاة الظهر على يد علماء الأزهر المشهود لهم، بخلاف الندوات والمشاركات المستمرة، كما تحتوي المدينة على مكتبة ورقية وإلكترونية مميزة.

كيف ترصدون مشكلات الطالب الوافد؟ وما أبرز تحدياته في بداية رحلته مع الأزهر؟
المتابعة لا ينبغي أن تبدأ عندما تقع المشكلة، وإنما تبدأ من التعرف إلى الطالب ومتابعة أحواله بصورة مستمرة، ولكن في الغالب تكون مشكلات البداية مرتبطة بالغربة، واختلاف اللغة أو اللهجة، والبعد عن الأسرة، وعدم معرفة تفاصيل الحياة في مجتمع جديد، وقد تكون هناك أيضًا صعوبة في فهم النظام الدراسي أو التعامل مع البيئة الجديدة.
لكن الجميل أن كثيرًا من هذه الصعوبات تكون مؤقتة، ومع الوقت يبدأ الطالب في التأقلم، ويكوّن صداقات ويشعر أن مدينة البعوث أصبحت بيته الثاني. وأنا أرى أن الأنشطة الطلابية تُعد علاجًا لظاهرة الاغتراب؛ لذا فقد قمت بتطوير وتحديث شامل لصالة الألعاب الرياضية (1) و(2)، وتم استحداث صالة للرماية، ونادٍ الاجتماعي للبلياردو وتنس الطاولة، وقاعة لمشاهدة المباريات، مع الاهتمام بقاعات المذاكرة والمساحات الخضراء.


هل تختلف احتياجات الطالب باختلاف بلده وثقافته ولغته؟
بالتأكيد، لا يمكن أن نتعامل مع جميع الطلاب باعتبارهم نموذجًا واحدًا؛ فكل طالب يأتي بخلفية ثقافية ولغوية واجتماعية مختلفة، ولذلك نحتاج إلى فهم خصوصية كل طالب واحترام ثقافته، وفي الوقت نفسه مساعدته على الاندماج في البيئة الأزهرية والمصرية..
وهنا تظهر أهمية رسالة الأزهر؛ فهو لا يلغي خصوصية الطالب، وإنما يعلمه كيف يحترم خصوصيته ويحترم في الوقت نفسه الآخرين المختلفين عنه.. نحن لا ننظر إلى التنوع باعتباره مشكلة، وإنما باعتباره فرصة أن يعيش طالب من إفريقيا بجوار طالب من آسيا أو أوروبا أو العالم العربي، وأن يجلسوا على مائدة واحدة ويتعلموا معًا ويعيشوا معًا، ومدينة البعوث تقدم هذه القيم في صورة حياة يومية يعيشها الطالب.
هل هناك قصص أو نماذج لطلاب وافدين بدأت رحلتهم في مدينة البعوث وانتهت بأن أصبحوا مؤثرين في بلادهم؟
بلا شك، وهذه من أجمل ثمار تجربة الوافدين؛ فعلى مدار السنوات تخرج في الأزهر ومدينة البعوث طلاب عادوا إلى بلادهم ليصبحوا علماء ودعاة وأساتذة وأكاديميين وشخصيات مؤثرة في مجتمعاتهم.
والجميل أن الطالب الذي كان في يوم من الأيام يحتاج إلى من يساعده في بداية الطريق، قد يعود بعد سنوات إلى بلده وهو يحمل رسالة علمية وفكرية، ويصبح هو نفسه قادرًا على تعليم الآخرين وخدمتهم، وهذه بالنسبة لنا واحدة من أعظم صور النجاح.
ما أكبر تحدٍّ تواجهه مدينة البعوث حاليًا في التعامل مع الأعداد والتنوع الكبير للطلاب؟
التحدي الأكبر هو أن نحافظ على جودة الرعاية مع اتساع حجم المسؤولية وتنوع احتياجات الطلاب؛ فالطلاب ليسوا أعدادًا أو ملفات، وإنما لكل طالب قصة وظروف واحتياجات مختلفة، والتحدي الحقيقي أن تصل الرعاية إلى كل طالب، وأن يشعر كل واحد منهم أن هناك من يهتم به ويتابع مسيرته.
متى تشعرون بأن الطالب الوافد أصبح يعتبر الأزهر جزءًا من حياته؟
هناك لحظة تتجلى عندما يبدأ الطالب في الحديث عن الأزهر باعتباره “نحن” وليس “هم”؛ ففي البداية يقول: “أنا جئت إلى الأزهر”، وبعد سنوات يصبح يقول: “أزهرنا”، و”مدينتنا”، و”زملاؤنا”، وهنا تعرف أن العلاقة لم تعد علاقة طالب بمؤسسة تعليمية، وإنما أصبحت علاقة انتماء وذكريات ورسالة.









