كشف الدكتور ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، أن المخاطر التي تواجه الهوية الوطنية قد تبدأ من محاولة التأثير في طريقة الحياة نفسها؛ من خلال تغيير أنماط الطعام والملابس وتأثيث المنازل والمطبخ المصري، وكذلك طرق إقامة الأفراح والمناسبات وأساليب بناء البيوت وغيرها من التفاصيل اليومية التي تبدو بسيطة، لكنها في مجموعها تشكل الثقافة.
وأكد أن مصر تمثل نموذجًا واضحًا للدولة الأمة، وليست دولة حديثة التكوين جمعت مجموعات متفرقة، موضحًا أن الدولة المصرية استطاعت عبر تاريخ طويل أن تستوعب جماعات وثقافات ولغات وأساليب حياة متعددة، وتدمجها داخل الثقافة المصرية الأوسع، حتى أصبحت طريقة الحياة المصرية هي النمط السائد الذي يجمع المصريين.
وأشار إلى أن موضوع الهوية الوطنية يُعد من الموضوعات المعقدة؛ لأنه يرتبط بعدد من العلوم المتداخلة، ومنها علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة والتاريخ والجغرافيا، إلا أن فهمه يمكن تبسيطه من خلال الربط بين مفهومين أساسيين هما «الثقافة» و«الهوية».
جاء ذلك خلال جلسات اليوم الثاني من فعاليات مؤتمر الهوية الوطنية: «جذور راسخة ورؤية متجددة»، والتي جاءت تحت عنوان «المخاطر التي تتعرض لها الهوية الوطنية»، بحضور المهندس أيمن عطية، محافظ الإسكندرية، واللواء الدكتور خالد فودة، مستشار رئيس الجمهورية للتنمية المحلية.
وأشار رشوان إلى أن الثقافة لا تعني بالضرورة ما يتبادر إلى الذهن من معنى «الشخص المثقف»، وإنما يُقصد بها في علم الأنثروبولوجيا «طريقة الحياة» التي يعيشها الإنسان والمجتمع؛ أي كيف يفكر الناس، وما القيم التي يؤمنون بها، وكيف يأكلون وينامون، وما عاداتهم وتقاليدهم ونظرتهم إلى المجتمع، وطريقة تعاملهم مع مختلف شؤون الحياة. ومن ثم فإن لكل مجتمع ثقافته التي تميزه عن غيره.
وأضاف أن الهوية ترتبط بالشعور بالانتماء إلى هذه الثقافة أو طريقة الحياة، ولذلك فإن وجود الهوية يسبقه وجود نمط حياة وثقافة تشكلت عبر فترات زمنية طويلة، وليست شيئًا ينشأ في يوم أو ليلة؛ فالهوية، بهذا المعنى، هي شعور جماعي بالانتماء إلى طريقة حياة مشتركة.
وأشار إلى أن المجتمعات بطبيعتها تتغير، وأن بعض العادات والتقاليد تتبدل بمرور الزمن نتيجة التحولات الاقتصادية والاجتماعية، مستشهدًا بتغير بعض مظاهر العزاء والجنازات في مصر خلال العقود الأخيرة، إلا أن جوهر الثقافة يظل قائمًا، مثل فكرة تكريم الميت ودفنه؛ فاختلاف طريقة التعامل مع الموت من مجتمع إلى آخر يمثل اختلافًا ثقافيًا في طريقة الحياة.
وتطرق إلى خطورة تقليد المجتمع المغلوب للمجتمع الغالب، موضحًا أن التاريخ شهد حالات كان فيها الغالب يفرض تأثيره على المغلوب في الملابس والطعام والهيئة والسلاح وسائر أنماط الحياة. لكنه أكد أن مصر، رغم تعرضها للاحتلال، استطاعت الحفاظ على نمط حياتها وثقافتها، ولم تنجح فترات الاحتلال في تغيير جوهر الشخصية المصرية، مشيرًا إلى أن الثقافة المصرية ظلت ممتدة بين مختلف طبقات المجتمع.
ولفت إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت تمثل عامل تأثير مهمًا، خصوصًا على الشباب، لكنها لا تعني بالضرورة أن نمط الحياة المصرية أصبح مهددًا بالاختفاء؛ فالشاب المصري قد يتأثر بما يراه على الشاشة من أغانٍ ومصطلحات وأفكار وأحلام، لكنه يظل يعيش في الواقع داخل المجتمع المصري بعاداته وتفاعلاته اليومية.
وأكد أن التغير في المجتمع أمر طبيعي، وأن طريقة الحياة المصرية نفسها تغيرت بالفعل خلال القرن الأخير والقرن ونصف القرن الماضي، لكن هذا التغير لا يعني بالضرورة وجود خطر مباشر يؤدي إلى اختفاء الثقافة المصرية. والخطر الأكثر أهمية، في رأيه، يتعلق بالانتماء؛ أي بالشعور الذي يربط المواطن بوطنه وثقافته ومجتمعه.
وأوضح أن الانتماء شعور جماعي، لكنه يتشكل داخل كل فرد، ولذلك يمكن أن يضعف لدى بعض الأفراد أو يتراجع إذا لم يشعر المواطن بأن بلده تخصه، وأن له فيها مستقبلًا يستطيع من خلاله تحقيق طموحاته وأحلامه.
وشدد على أن الحفاظ على الهوية الوطنية لا يرتبط فقط بالحفاظ على العادات والتقاليد، وإنما يتطلب أيضًا أن يشعر المواطن، وخاصة الشباب، بأن الوطن جزء حقيقي من حياته ومستقبله، وأنه قادر على أن يعيش فيه ويحقق داخله ما يطمح إليه؛ فتعزيز هذا الشعور بالانتماء يمثل أحد أهم عوامل حماية الهوية الوطنية واستمرارها.










