وسط تحولات متسارعة يشهدها العالم، يواصل الأزهر الشريف مسؤوليته في تقديم تعليم يجمع بين أصالة المنهج ومتطلبات العصر، ويمنح الطالب الوافد—إلى جانب العلم—الرعاية والدعم والمهارات التي تساعده على الاندماج وبناء شخصيته..
«الجمهورية» ناقشت د. نهلة الصعيدي، مستشارة شيخ الأزهر للوافدين ومديرة مركز تطوير تعليم الوافدين وعميدة كلية العلوم الإسلامية للوافدين، عن منظومة رعاية الطلاب الوافدين، وتطور برامج التعليم واللغة العربية والتعليم الإلكتروني، وكيف عمل الأزهر على تأهيلهم ليعود الوافدون إلى بلادهم حاملين رسالة علم واعتدال وتواصل، وليظلوا امتدادًا لجسور الأزهر مع العالم.

كيف ترين استقبال مصر والأزهر الشريف عشرات الآلاف من الطلاب الوافدين من مختلف دول العالم؟ وهل تتجاوز مسؤولية هذا الملف حدود التعليم إلى دور ديني وحضاري؟
استقبال مصر والأزهر الشريف لعشرات الآلاف من الطلاب الوافدين من شتى بقاع الأرض ليس مجرد عملية تعليمية أكاديمية عابرة، بل هو تجسيد حي لدور مصر التاريخي ورسالتها العالمية العظمى. إنها أمانة كبرى ومسؤولية دينية وحضارية وإنسانية متكاملة تطوق عنق الأزهر الشريف ومصر المحروسة.
فالأزهر لم يكن يومًا مكانًا لتلقي العلم فحسب، بل كان ولا يزال منارة للفكر الوسطي المستنير، وقلعة للدفاع عن سماحة الإسلام ونشر قيم الإنسانية السمحة. وعندما يفد إلينا أبناء العالم ليتعلموا في رحاب الأزهر، فإننا ندرك تمامًا أننا نصنع عقولًا ونبني أجيالًا ستعود إلى بلدانها لتكون سفراء للسلام والاعتدال، وهو ما يتجاوز بكثير حدود الفصول الدراسية والمناهج التعليمية إلى بناء جسور التواصل الإنساني والحضاري بين الشعوب.

ماذا يعكس إقبال الطلاب الوافدين من مختلف دول العالم على الأزهر عن مكانته في العالم الإسلامي؟
الأرقام الكبيرة والمعبرة—نحو 90 ألف طالب ينتمون إلى 137 دولة تقريبًا—تمثل شهادة ثقة متجددة وعميقة في مكانة الأزهر الشريف، وفي قلوب وعقول المسلمين وغير المسلمين في مختلف أنحاء العالم. وهي تعكس بوضوح أن الأزهر هو المرجعية الدينية الأولى والبوصلة الفكرية الموثوقة التي تقصدها أطراف المعمورة بحثًا عن العلم الصحيح النقي من الشوائب والانحرافات.
هذا الإقبال العالمي المتنوع يؤكد أن رسالة الأزهر العابرة للحدود والقارات تتمتع بقبول دولي منقطع النظير، كما يدل على أن مصر كانت وما زالت هي الحاضنة الكبرى لكل باحث عن الوسطية والاعتدال والفهم الرشيد للدين الحنيف.

ماذا يحصل الطالب الوافد من الأزهر إلى جانب التعليم الأكاديمي، وما الذي تحرص المنظومة على أن يعود به إلى بلاده؟
نحرص على أن تكون تجربة الطالب الوافد في الأزهر تجربة متكاملة؛ لا تقتصر على الدراسة والتحصيل الأكاديمي، وإنما تشمل بناء شخصيته علميًا ولغويًا وثقافيًا ومهاريًا، وتعريفه بقيم الحوار والتعايش واحترام التنوع.
كما نهتم باكتشاف مواهبه وتنمية قدراته، وتوفير الأنشطة والبرامج التي تساعده على تطوير شخصيته والاستفادة من سنوات وجوده في مصر. وبعد تخرجه وعودته إلى بلده، يظل الخريج جزءًا مهمًا من امتداد رسالة الأزهر في العالم؛ فالكثير من خريجي الأزهر يتولون أدوارًا علمية وتعليمية ومجتمعية في بلدانهم، ولذلك نحرص على استمرار التواصل مع أبنائنا الخريجين وتعزيز الصلة بهم.
كيف يواكب مركز تطوير تعليم الوافدين منظومة التعليم والرعاية المقدمة لهم؟ وما أبرز برامجه ومشروعاته؟
يعمل مركز تطوير تعليم الطلاب الوافدين والأجانب وفق رؤية متكاملة تضع الطالب الوافد في قلب العملية التعليمية والإنسانية، انطلاقًا من توجيهات فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، التي تؤكد أهمية الارتقاء بتعليم الوافدين وتوفير الرعاية المتكاملة لهم، بما يحافظ على أصالة المنهج الأزهري ويواكب متطلبات العصر.
ويولي المركز اهتمامًا بتطوير المناهج والبرامج التعليمية، والتوسع في التعليم عن بُعد والتعليم الإلكتروني، وتطوير برامج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، بما يساعد الطلاب على اكتساب المهارات اللازمة للاندماج في الدراسة الأزهرية والاستفادة منها.
كما نهتم بالجانب الإنساني والنفسي من خلال برامج الدعم النفسي والإرشاد التي تساعد الطلاب على التكيف مع البيئة الجديدة والتغلب على التحديات التي قد تواجههم خلال رحلتهم التعليمية. ولأن الطالب الوافد لا يقتصر على التحصيل الأكاديمي، نعمل كذلك على اكتشاف مواهبه وتنمية قدراته من خلال أكاديمية «مواهب وقدرات»، إلى جانب الاهتمام بالقرآن الكريم من خلال مدرسة «الإمام الطيب لحفظ القرآن الكريم وتجويده».
هل يستهدف التوسع في التعليم الإلكتروني وبرامج اللغة العربية وصول رسالة الأزهر إلى الطالب في بلده قبل قدومه إلى مصر؟
بالتأكيد، هذه استراتيجية حديثة وراسخة تبناها المركز في إطار التطوير الشامل لمنظومة الوافدين. لم يعد هدفنا مقصورًا على انتظار الطالب حتى يصل إلى أرض مصر، بل أصبحنا نسعى للوصول إليه في عقر داره وقبل سفره، وذلك من خلال التوسع في برامج التعليم الإلكتروني، وتأسيس مراكز لتعليم اللغة العربية ونشر المنهج الأزهري في شتى دول العالم.
هذا التوسع الرقمي والجغرافي يتيح للراغبين في دراسة علوم الإسلام من الخارج أن يتلقوا التأهيل المناسب والأساس اللغوي المتين وهم في بلدانهم، مما يسهل عليهم اندماجهم فور وصولهم إلى مصر، ويوفر قاعدة واسعة من الدارسين المرتبطين بالمنهج الأزهري عالميًا.
هل تغيرت احتياجات الطالب الوافد اليوم، وماذا يريد من الأزهر مقارنة بالماضي؟
تشهد طبيعة الطالب الوافد اليوم تطورًا ملحوظًا؛ فطالب العصر الرقمي يتميز بوعي واسع، واطلاع مكثف، وطموح كبير لا يقتصر فقط على حفظ المتون والعلوم التقليدية، بل يمتد إلى كيفية استيعاب المعارف المعاصرة، وربط التراث بالعصر، والقدرة على التعامل مع قضايا العالم الحديثة بلغات متعددة وبأدوات تكنولوجية متقدمة.
ومن هنا، حرصنا في مركز تطوير تعليم الطلاب الوافدين على تحديث المناهج، وإدخال برامج المهارات الحديثة، والتدريب على فنون الحوار والتواصل الحضاري، ليكون خريج الأزهر اليوم قادرًا بكفاءة تامة على تلبية احتياجات عصره ومجتمعه بكل اقتدار ووعي.









