تفكيك السلطة الأبوية.. بسبب عوامل سياسية واقتصادية وقانونية
نتائج غياب الأب.. احصائيات صادمة وتغول رقمي
ضرورة إعادة صياغة سلطة الأب الإطار الجامع
في قراءة تحليلية عميقة عمت أرجاء الأوساط الثقافية والإعلامية في الدول الغربية، سلطت الإعلامية نشوى الحوفي، عبر برنامجها الأسبوعي “روزنامة” المذاع على قناة “الحياة”، الضوء على إحدى أكثر القضايا المسكوت عنها تعقيداً في العصر الحديث: أزمة الأبوة المعاصرة وتراجع السلطة الرمزية للأب، وانعكاسات ذلك على البناء النفسي والاجتماعي والثقافي للمجتمعات الإنسانية.
استهلت الحوفي الطرح بالإشارة إلى الكتاب الصادر حديثاً في إسبانيا للمفكر والفيلسوف الإسباني “رامون إتشيفاريا بيريث”، والذي يحمل عنواناً صادماً ومثيراً للجدل: “كيف التخلص من الأب؟”. وأوضحت أن هذا العمل الفلسفي لم يتناول الأب كشخص يتواجد داخل النطاق الأسري الضيق فحسب، بل بوصفه “رمزاً محورياً” يشكّل علاقة الإنسان بالعالم المحيط.
فالأب في هذا الطرح هو الرمز الذي يعلّم الطفل حدود الحرية، ومفهوم القانون، وكيفية التعامل مع السلطة والقواعد المنظمة للمجتمع؛ حيث يؤدي أي اختلال في هذه العلاقة الرمزية إلى فساد ارتباط الفرد بمحيطه القريب والبعيد على حد سواء، ليخرج إلى العالم أفراد لا يعترفون بأي حدود تنظيمية أو ضوابط أخلاقية.
المسار التاريخي لـ “الأبوة”: من الغريزة إلى اغتراب الثورة الصناعية
تتبع التقرير الشامل الذي عرضه البرنامج التحولات الهيكلية التي طرأت على دور الأب عبر المحطات التاريخية الكبرى للبشرية:
العصر البدائي: اقتصر دور الأب على توفير الطعام والحماية المباشرة في بيئة مشاعية، وسادت العلاقة الطابع الغريزي لحفظ البقاء دون عواطف واضحة، بينما تركزت التربية والإعاشة كلياً لدى الأم والقبيلة.
العصر الزراعي (الأب البطريركي): مثّل تحولاً مفصلياً في تاريخ الأسرة؛ حيث نشأ مفهوم “حكم الأب” (Pater-Arch). تحول الأب هنا من مجرد حامي إلى القائد الأعلى والقاضي ومصدر الملكية والشرعية، وسادت طاعة مطلقة قائمة على الاعتماد الاقتصادي وحماية الأرض، وكان الأب هو المعلم المباشر للأبناء لصنعة الآباء والأجداد.
العصر الوسيط: امتزجت السلطة الأبوية بالواجب الديني؛ حيث أصبح الأب مسؤولاً أمام المجتمع والذات الإلهية عن الهوية الأخلاقية والدينية لأسرته، وكان يمثل خط الدفاع الأول والملجأ في مواجهة النزاعات والأزمات.
الثورة الصناعية (بداية الاغتراب): شكّلت هذه المرحلة نقطة الانعطاف الأكثر خطورة؛ إذ انتقل مقر العمل من المنزل والغيط إلى المصنع والشركات البعيدة. نشأ هنا نموذج “المصدر المالي الوحيد”، واضطر الأب للغياب لساعات طويلة يومياً لظروف العمل الشاقة، مما اختزل مفهوم الرجولة والأبوة في الجانب التمويلي والعقابي، وتسبب في نشوء الفراغ العاطفي والأبوي لأول مرة في التاريخ البشري.
القرن العشرون وتحديات الحداثة: شهد تحولاً نحو “الأب الشريك” بفضل خروج المرأة لسوق العمل وتطور علوم نفس الطفل، والتي أثبتت بالدليل القاطع أن غياب الأب العاطفي والنفسي يرفع من معدلات القلق والاضطرابات السلوكية لدى الأبناء، بغض النظر عن مدى توفر الدعم المالي.
تفكيك السلطة الأبوية: عوامل سياسية واقتصادية وقانونية
تناول البرنامج التليفزيوني باستفاضة العوامل المتشابكة التي أسهمت في تراجع مكانة الأب وتفكيك سلطته الرمزية، مؤكداً أنها لم تكن وليدة المصادفة أو التطور العفوي، بل جاءت نتيجة تحولات أيديولوجية وهيكلية منظمة:
الأيديولوجيات والتغيرات السياسية: شجعت الأنظمة الشيوعية المبكرة على نقل ولاء الأطفال والانتماء الكلي إلى الدولة ومؤسساتها بدلاً من الأب، مع تصوير السلطة الأبوية كشكل من أشكال الاستبداد البرجوازي. كما رفعت اتجاهات راديكالية في الحركات النسوية خلال منتصف القرن الماضي شعارات صريحة لتفكيك ما سمي بـ “النظام الأبوي” وتجريده من شرعيته.
النزعة الاستهلاكية والرأسمالية المتوحشة: تحول تقييم الفرد والأب في المجتمعات الحديثة إلى قدرته الشرائية والاستهلاكية فقط. دفع هذا التقييم المادي الأب إلى الغياب المستمر في رحلة البحث عن المال ومواكبة متطلبات المجتمع المادية المتزايدة (كما تجلى في ظاهرة اغتراب العمالة وسفر الآباء الممتد في المنطقة العربية)، مما أحال الأب إلى “صراف آلي” غائب جسدياً وحاضراً بالمال فقط.
التشريعات والسياسات الاجتماعية: أدت بعض البرامج الاجتماعية الحكومية (مثل برنامج “المجتمع العظيم” في الولايات المتحدة) إلى تقديم دعم مادي مباشر للأمهات والبيوت بلا أب، مما شجع ضمنياً على استبعاد الأب. وتزامن ذلك مع قوانين أوروبية استبدلت مصطلح “السلطة الأبوية” بـ “المسؤولية الوالدية المشتركة”، مما أدى في كثير من الأحيان إلى تهميش دور الأب وتجريده من أدوات التأديب والتوجيه.
نتائج الغياب: أرقام صادمة والتغول الرقمي
أشار التقرير إلى التأثيرات الكارثية الناجمة عن الفراغ النفسي والتربوي الذي يتركه غياب الأب، حيث استشهد ببيانات إحصائية رسمية صادرة عن وزارة العدل الأمريكية تكشف أن:
أكثر من 80% من الشباب واليافعين في المؤسسات العقابية ومراكز إعادة التأهيل ينتمون لبيوت غاب عنها الأب أو أُقصي فيها دوره تماماً.
أكثر من 60% من حالات انتحار الأطفال والشباب تسجل في بيوت تفتقر إلى وجود الأب الفاعل والداعم.
منصات رقمية وخوارزميات بديلة للأب
وعلى جانب آخر، أوضح التقرير أنه عندما تفتت السلطة الأبوية لم تترك فراغاً، بل حلت محلها مؤسسات بديلة أكثر خطورة، وعلى رأسها المنصات الرقمية وخوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي. فلم تعد هذه الخوارزميات مجرد أداة لملء وقت الفراغ، بل أصبحت تسهم بشكل مباشر في تشكيل القيم، والمفاهيم الأخلاقية، وأنماط الاستهلاك لدى الأبناء. وأدى ذلك إلى نشوء أجيال تعاني من التشتت والهشاشة النفسية، أجيال تستمد تقديرها لذاتها وشعورها بالأمان من عدد “اللايكات” وتفاعلات العالم الرقمي و”التريندات”، بدلاً من الاستناد إلى القواعد الثابتة والجدار النفسي الصلب الذي يبنيه الحضور الأبوي الواعي.
إعادة صياغة سلطة الأب الإطار الجامع
اختتمت نشوى الحوفي طرحها بالمرور على سبل المواجهة والعلاج، مؤكدة أن الحل لا يكمن في النكوص والاستدعاء الشكلي لنموذج “الأب السلطوي القامع”، ولا في الاستسلام لنموذج “الأب الغائب أو الصراف الآلي”، بل يستوجب الأمر إعادة صياغة الدور ليصبح الأب هو “الإطار الجامع والميناء الآمن”.
يتطلب هذا الدور المستحدث التوازن بين منح الأمان وممارسة التوجيه، وتفعيل لغة الحوار والإنصات، ومناقشة المفاهيم المتناقضة والرسائل التي يتلقاها الأبناء من الفضاء الرقمي المفتوح، وذلك لبناء المصدات النفسية التي تحميهم من الانحراف والتشتت الفكري؛ مع التشديد على أن توفير الرعاية المادية والدعم الاقتصادي لا يُسقط بأي حال من الأحوال الواجب النفسي والعاطفي للحضور الأبوي داخل الأسرة.









