حسنا فعلت مكتبة الإسكندرية عندما نظمت مؤتمراً جامعاً للتباحث حول الهوية الوطنية، تابعت اليوم الأول من المؤتمر، ووجدت إصراراً جمعياً يبدوأ أنه تخطى حدود النخبوية ووصل إلى مناطق كنا نظن انها غير مأهولة فكرياً وثقافياً، المشاركون على قناعة بأن الهوية الوطنية لدولة بحجم وتاريخ مصر لهو أمر شديد الأهمية والخطورة، جلست أتابع الأوراق البحثية التى أعدها وقدمها قامات وازنة فى مجالاتها المختلفة، وتساءلت بينى وبين نفسي، أين نحن مما يجرى حولنا، فهل وصلت الحضارة الغربية إلى مرحلة «الغروب البطئ «؟ وهل سيشكل «صوت الجنوب الهادر «ما يمكن أن نطلق عليه «حضارة الجنوب الشرقية «؟ وإذا كان الأمر كذلك فماذا عن مصر ؟ مصر التى تنظر إلى الغرب المتقدم وحضارته بإعجاب شديد ويتمنى الكثيرون أن نكون مجتمعا يشبه مجتمعاتهم، فى نفس الوقت الذى تتمسك مصر بشرقيتها الثقافية وتفخر بأنها مكون رئيس من مكونات صوت الجنوب، فهل تتجه مصر نحو الغرب كما كان يتمنى ويفخر طه حسين بأننا جزء من الحضارة الغربية فى محيط البحر الأبيض المتوسط ؟ أم نتجه إلى الجنوب والشرق لأننا وبحق جزء منه جغرافيا وثقافيا وسياسيا؟ بيد أن القضية المطروحة هى قضية هوية، من هنا لابد وأن نؤكد ونتأكد من كوننا «حالة حضارية متفردة «يصعب ذوبانها وضياع ملامحها مهما كانت الظروف، فالحضارة المصرية القديمة استمرّت تمدنا – حتى الآن – بمداد لا ينضب من الوعى الحقيقى غير الزائف عن مفهوم الهوية المصرية، فإذا كانت حضارة الغرب التى تمثلها أوروبا وأمريكا وأستراليا وغيرها يطلق عليها «الحضارة الغربية «وإذا كانت روسيا والصين والهند ودول جنوب شرق آسيا وأفريقيا وبعض الدول اللاتينية يطلق عليها حضارة الجنوب أو صوته او الحضارة المشرقية، فإن مصر الدولة الوحيدة التى يمكن أن تطلق عليها «صاحبة حضارة «وكذلك نقول «الحضارة المصرية «لا شرقية ولا غربية وإنما مصرية وضاربة بجذورها فى أعماق التاريخ، لكن هل يعلم المصريون جميعاً أننا نملك اضخم احتياطى فى العالم من «مكنون الحضارة البشرية ومخزونها الذى لا ينضب «؟ هل يعلم المصريون جميعاً أن كل محاولات تهميش وتهشيم الشخصية المصرية قد فشلت عبر التاريخ بفعل هذا المخزون النادر من الحضارة الإنسانية الراقية؟ الآن يعيش العالم مرحلة شديدة الصعوبة والدقة والخطر يحيط بالجميع، مظاهر عديدة وأحداث متنوعة تعكس ما وصلت إليه الحضارة الغربية من انحطاط ينذر بالانهيار السريع، الديمقراطية ونظم الحكم الغربية فى مرمى التجاذبات السياسية العنيفة بين اليسار المتطرف واليمين الأشد تطرفا، مبادئ الحرية الغربية المطلقة باتت سببا فى إشاعة حالة من الرعب على مستقبل الجنس البشرى ذاته، فالدعوة الفجة إلى عالم احادى الجنس تمثل رصاصة مسمومة فى قلب الطبيعة البشرية التى تقاوم من أجل البقاء، أوروبا التى تحللت فيها الأسرة وانهارت المبادئ على مذبح الحرية وتم تكريس الأفكار المنحرفة المنحطة الشاذة وإشاعتها أمام مليارات البشر لتكون شيئاً عادياً، لكن على الطرف الآخر من العالم نجد الصين والهند وقبلهما الاتحاد الروسى يحاول الحفاظ على قيم الأسرة واحترام الطبائع البشرية مهما كانت التحديات، فى المنتصف يقبع العالم العربى فى حالة «حيرة ثقافية «أو «توهان ثقافى « بين التغريب والتشريق، فهناك من يؤمن بالحضارة الغربية كاملة ويخلع رداءه الشرقى دون خجل، وهناك من يرتدى الأردية الغربية خلسة ودون أن يراه احد وكأنه يختبئ خلف إصبعه، كل هذا نراه أمام أعيننا ونبدى اندهاشنا وامتعاضنا من سلوكيات القطيع التى يؤمن بها الكثيرون، وسط هذا الضجيج وهذه الفوضى غير الخلاقة تقف مصر فيما يبدو فى مفترق طرق ثقافية وفكرية، لكن ما يبدو أمامنا من حيرة مخيفة أراه سراباً وشراكاًً منصوبة أمامنا لتسلب منا مكامن الثقة والقوة وتستنزف معيننا الحضارى الذى -من المؤكد – لن ينضب مهما اشتدّت الخطوب والمحن، أنا مطمئن بحذر فالحذر واجب لأن الأمم لا تسقط بالحروب وإنما تنهار بالهزيمة النفسية من الداخل.









