يقيناً، بدأت دول المنطقة العربية تراجع حساباتها وتعيد تقييم علاقاتها خاصة مع الجانب الأمريكى بعد أن خذلت واشنطن الجميع، ليس هذا فحسب بل هى السبب الرئيسى لتأجج الصراعات والاضطرابات وإشعال الحروب فى المنطقة وهو ما يلقى بظلاله على دول المنطقة بتداعيات خطيرة على أمنها واستقرارها ومقدراتها وثرواتها، لقد أدرك الجميع أن أمريكا لا تعمل لحساب أحد بل من أجل النفوذ والهيمنة والسيطرة على ثروات والممرات البحرية الحيوية والإستراتيجية فى المنطقة ولا ترى إلا بعين الكيان الصهيونى وتبذل قصارى الجهد وتضحى بالغالى والنفيس من أجل تحقيق أوهام كبيرهم الذى علمهم التطرف والإجرام بنيامين نتنياهو.
عملية المراجعة والتقييم تستلزم مصارحة مع النفس ونظرة حقيقية لجدوى العلاقات أو الرهان على أمريكا الذى أثبت فشله تماما، ربما بدا الأمر عجزاً أمريكياً على تلبية مطالب حلفائها بالمنطقة أكثر منه رفضاً والأمران موجودان لكن يظل العجز أكثر وضوحا بعد نفدت هيبتها العسكرية وفشلت فى الحرب ضد إيران ولم تستطيع الدفاع عن نفسها أو قواعدها أو أن تحمى جنودها.
المراجعة وإعادة التقييم حتمية لا غنى عنها حتى نعرف العدو من الصديق، فالعرب مطالبون بإعادة حساباتهم وأن يدركوا أنهم الهدف ولا يمكن للمخطط الصهيو- أمريكى أن نتوقع منه خيرا للعرب بل شر اقترب فويل لمن لا يفهم ولا يكشف النوايا ويصل للحقيقة أو يخدع نفسه، فأمريكا مثل الذئب والأفاعى لا يمكن أن تعيش معها بأمان لذلك وحتماً هناك فى الكواليس والغرف المغلقة تساؤلات عميقة ودراسات مستفيضة ومراجعات لا تحتاج لعواطف لأنها باتت ترتبط بالوجود والمستقبل، فلا يمكن التعويل على الأفاعى أو الثقة فى نواياهم، المراجعات العربية والتقييم الحتمى جاء من فيض حقائق أفرزها الواقع الذى لا يكذب أبداً ليتأكد للجميع أن الرهان على أمريكا خاسر لا محالة وأن مجرد الاطمئنان للكيان الصهيونى هو انتحار، فما حدث فى العام الجارى أكبر بكثير من أن يتجاهل الحقائق التى خرجت من باطن المخططات والمؤامرات التى نسجت للإيقاع بأمة العرب وتهديد وجودها وسلب مقدراتها وثرواتها وضرب مواقعها الإستراتيجية ولذلك لابد أن نتوقف عند الحقائق والنتائج الفاصلة والحاسمة وهى أولاً: أن الأفعى الصهيونية كشفت عن الوجه الحقيقى الذى لطالما حاول البعض أن يخدع نفسه بأنه قد يكون صديقاً بريئاً لكن ما جرى أكد للجميع خسة العدو الصهيونى وأنه مدعوم من الراعى الأمريكى بلا حدود وكلاهما يحقق أوهامه فأمريكا تسعى إلى الهيمنة وبسط النفوذ والاستيلاء على مقدرات الشرق الأوسط وفى القلب منه المنطقة العربية وإحكام السيطرة على النظام العالمى القائم ومصادر الطاقة والممرات البحرية الدولية التى تتحكم فى التجارة الدولية لا تريد أن ينازعها أو ينافسها أحد لا تبكى على العرب بل هو وسيلة تتوهم أنها قادرة على خداعهم وهزيمتهم، لكن الأقدار أزاحت الستار عن حقيقة الذئب الأمريكى والأفعى الصهيونية التى جل أهدافها مزيد من التوسع واحتلال الأراضى العربية لتنفيذ الوهم الأكبر وهو إسرائيل الكبرى تضرب بلا رحمة تقتل وتحاصر وتحرق الأرض ويقصف الأطفال والنساء وما غزة عنا ببعيد من أجل تحقيق وهم التهجير، لذلك من يعتبرون إسرائيل صديقاً فهم يغامرون بوجودهم، فالمعركة بين الصهاينة والعرب لا يمكن أن تتوقف إلا بنهاية وزوال الكيان الصهيونى، أمريكا لا تساعد ولا تدعم إلا إسرائيل لحمايتها ولا تساعد العرب إلا للإيقاع بينهم بالفتن والأزمات والصراعات فيما بينهم من أجل إسقاطهم وإضعافهم وإشعارهم دائماً بالخوف وإبعادهم عن الهدف الذى يهدد نفوذ ووجود أمريكا فى المنطقة وهو الوحدة والتكامل العربى، لذلك نحن أمام دروس ساطعة لا تحتاج أن نضحك فيها على أنفسنا وألا نخدعها، فالأمريكان ينظرون إلينا بأننا فريسة وكنز ثمين لا نستحقه وهم أهل له لذلك الإدارة الأمريكية بما فيها من صهاينة ومتصهينين ومتطرفين، أحياناً يعلنون ذلك بوضوح دون خجل.
«ثانياً» أهمية تبنى سياسات التوازن وتنوع العلاقات والشراكات مع دول العالم خاصة الكبرى وعدم الاستسلام لقوة واحدة والاستثمار فى ساحات التنافس بين القوى الكبرى وإعلاء المصلحة الوطنية فى هذه العلاقات ومصر هى النموذج الفريد تربطها علاقات شراكة مع واشنطن وبكين وموسكو وبروكسل والعواصم الأوروبية فى إطار الندية وعدم المساس بالسيادة أو التدخل فى الشئون الداخلية والعرب لديهم من القدرات والثروات والإمكانيات والمقومات الطبيعية ما يجعلهم يتحكمون فى القوى الكبرى وليس العكس، لكن المهم أن يكون هناك وحدة وتكامل عربى وأن يكون العرب جميعاً على قلب رجل واحد ولديهم كيان عربى للدفاع عن الأمن القومى العربى أو أى دولة عربية تتعرض لعدوان أو تأمين المسارات والممرات البحرية والثروات والمقدرات الوجودية، لكن المشهد العربى فيه تشرذم وفرقة وخلافات وصلت إلى حد قطع العلاقات، لذلك من الضرورى إيجاد تسوية لإنهاء هذه الخلافات وإعلاء المصلحة العربية والوطنية واستخدام أوراقهم الكبيرة فى إجبار العالم وفى القلب منه القوى الكبرى على الاحترام والانصياع الكامل ولعل ما قدمته مصر عام 2015 من أهمية وحتمية وجود قوة عربية مشتركة أو جيش عربى لم يعد من قبيل الرفاهية، بل لم يعد استمرار الأزمات العربية المفتوحة فى كثير من الدول العربية أمراً جيداً وعلى العرب إنهاء هذه الأزمات والصراعات الداخلية واستعادة الأمن والاستقرار فى هذه الدول وعدم التدخل فى شئونها الداخلية والحفاظ أو بناء مؤسساتها الوطنية – فالسودان وليبيا والبنان واليمن وفلسطين والصومال وسوريا جميعهم يحتاج تكاتفا عربيا وتسويات «عربية – عربية» تتوفر لها الرؤية والإدارة وإنهاء الخلافات والمقاطعات بين دول الأمة العربية والتصدى لمحاولات بعض الدول التآمر على الدول الأخرى أو العبث فى أمنها واستقرارها أو التحالف مع دول معادية ضد دول عربية، فهذا سيحرق الجميع ويؤذى الأمة بأكملها، ولذلك فإن توحيد الوطن العربى وشعوبه هو أهم سلاح فى مواجهة الأطماع والأوهام والمخططات لذلك فى الاتحاد والوحدة ردع للأعداء والعرب أقوياء بما لديهم من قدرات شاملة وحيوية تتحكم فى مستقبل هذا العالم لكن للأسف الشديد المؤامرات الخارجية نالت منهم والعدو يكرس جهوده على إحداث الفرقة وتغذية الخلافات رغم أننا أمة واحدة لديها قواسم ومشتركات ومصير واحد، علينا أن نتقارب ونتكاتف فى هذا الطوفان الذى يهدد الوجود والحاضر والمستقبل ألا نثق فى أعدائنا وتلك هى الكارثة، لذلك مطلوب مراجعة سريعة وحقيقية قبل فوات الأوان.









