أن يحتشد فلول جماعة الإرهاب ودعاة الفوضى معًا ضد الدولة المصرية، ليس جديدًا ولا مفاجئًا. هم لهم عدو واحد يودون الخلاص والانتقام منه، هذا العدو هو الدولة بكل مؤسساتها ونظامها السياسي.
لم يتوقفوا لحظة عن العداء ومحاولات الكيد، ولن يتوقفوا.. تلك حقيقة معروفة ومؤكدة لدينا.. دخلوا في عداء مع النظام الملكي والنظام الجمهوري؛ ويستوي لديهم في العداء والكراهية الملك فاروق مع عبد الناصر، وناصر مع السادات ومع مبارك.. أما الرئيس عبد الفتاح السيسي، فقد حملوا له المزيد والمزيد من الكراهية، لأنه امتلك جسارة التصدي لهم في لحظة تصوروا فيها أنهم استولوا على مصر مدة خمسمائة سنة على الأقل.
الجديد أن يعقدوا مؤتمرًا في «لاهاي» بهولندا، حيث مقر عدد من المنظمات الدولية.. توفير مقر للمؤتمر، والسماح بانعقاده، وتوقيت الانعقاد، وما ظهر على لسان بعض المشاركين عن دعم شخصيات إسرائيلية لها مواقع مؤثرة في منظمات «إنسانية»، يكشف بعض المستور حول المؤتمر الفاضح، ومن يقف خلفه.
عادةً يثور النقاش والجدل حول الأوضاع السياسية حين تكون البلاد بصدد إجراء الانتخابات النيابية أو الرئاسية، لكننا على مسافة خمس سنوات من الانتخابات النيابية.. مجلس النواب الحالي بدأ انعقاده في يناير الماضي، أي إن البرلمان القادم يُفترض أن يكون في يناير سنة 2031.. والانتخابات الرئاسية سوف تكون سنة 2030.
النقاش الذي جرى في لاهاي لم يتناول أي قضية محددة تتعلق بالمستقبل، ولم يتحدث عن إصلاح؛ الحديث كله في ضرورة إسقاط الدولة.. بعضهم رأى البدء بهدم المؤسسات، والبعض الآخر اكتفى بحلم إسقاط النظام.
مرة أخرى، لا يجب أن نفاجأ بهم.. هم مجموعة من المطاريد يريدون العودة إلى البلاد باعتبارهم أبطالًا.. أزمتهم في هذه اللحظة نفسية، وأيضًا وجودية.. طول بقائهم في الخارج، مع الفشل المتلاحق، يؤكد أنهم بلا قضية حقيقية وبلا أية جماهيرية، بل رفض تام وازدراء حقيقي لدى من يدركون معنى الوطنية المصرية.. هم مجموعة من المرتزقة تعمل بالإقامة واللقمة.. يكفي أن كثيرين من المقيمين في الخارج تجنبوا الظهور معهم.

*****
القضية ليست في هذه المجموعة، لكن فيمن كان يدعمهم كل هذه السنوات، ويوظفهم لحسابه ضد مصر وضد عدد من الدول العربية، والآن يحركهم على هذا النحو..
أحد المشاركين في المؤتمر تحدث عن منظمة بريطانية «إنسانية» تدخلت رئيستها وساعدته في الخروج من القاهرة إلى بيروت، وفي العاصمة اللبنانية اكتشف أن هذه السيدة «صهيونية/إسرائيلية»، وأنها تعمل لصالح إسرائيل رغم الغطاء البريطاني الذي تحمله، واسم المنظمة «الإنسانية». هو الذي قال ذلك، ثم ساعدته في الانتقال إلى باريس، وتم توفير الإقامة وكل شيء.. وفي باريس، قيل له من زميل له «فلسطيني/مصري» إن شرط الإقامة المريحة في أوروبا هو عدم الاهتمام بالشأن الفلسطيني وعدم مضايقة إسرائيل.
مرة أخرى، المنظمات الإنسانية والتي تدعم حقوق الإنسان وحرياته، ليست كلها بريئة ولا مخلصة لحقوق الإنسان ولا للكرامة الإنسانية، بل غالبًا ما تكون ــ بعضها ــ غطاءً لأنشطة أخرى.
*****
في سنة 1839، استشعرت بريطانيا العظمى خطورة محمد علي والقوة المصرية الصاعدة في المنطقة، لذا عقدت اجتماعات وجلسات في لندن وفي باريس لبحث الموضوع، وتبين أن ذلك كان تمهيدًا لما جرى في العام التالي من تحجيم القوة والنفوذ المصري، حيث أُخرج إبراهيم باشا من بلاد الشام، وبقي محمد علي حبيسًا داخل حدود مصر، وتُرك السودان معه إلى حين.
من يومها وحتى الآن، فإن أي مؤتمر يُعقد حول مصر في أوروبا، وفي غيبة الدولة المصرية، يكون المؤتمر عقابًا لمصر والتمهيد لعمل ما ضدها، على الأقل الرغبة في تحجيم دورها وإضعافها..
هل نذكر المؤتمرات التي عُقدت تحت مسمى «المسألة المصرية» في سبعينيات القرن التاسع عشر، وانتهت بعزل الخديوي إسماعيل ثم احتلال مصر بعدها سنة 1882؟
هل نذكر مؤتمر المنتفعين بقناة السويس بعد قرار التأميم مباشرة، سنة 1956، ثم اتضح أنه كان تمهيدًا للعدوان الثلاثي على مصر؟
التاريخ مليء، طبعًا.. مؤتمر المرتزقة في لاهاي لا يُقارن بما سبق في مراحل مختلفة، لكنه إشارة وتهديد، إشارة حمراء من إسرائيل، تقول إن لديها المرتزقة الذين يمكن تحريكهم ضد الدولة المصرية في الوقت الذي تريده وتفرضه مصالحها.
وقد يقول البعض: ولماذا نتصور أن إسرائيل يمكن أن تفعل ذلك؟ هناك معاهدة سلام موقعة منذ سنة 1979، وهناك علاقات، سفارة لهم هنا، وسفارة لنا هناك. صحيح أنها علاقات ليست دافئة ولا بالمستوى الذي تطلع هي إليه، لكنها في النهاية علاقات، وكل هذا صحيح، لكنه لم يمنع إسرائيل من إرسال جاسوس لها بيننا اسمه «عزام عزام»، ولا إرسال جاسوس آخر كان مقيمًا في ميدان التحرير سنة 2011، وكان يقود بعض مجموعات الفوضى، وهو «إيلان جرابيل».
وهناك عدة أمور تصدت لها مصر في السنوات الأخيرة، تعتبرها الحكومة الإسرائيلية شديدة الأهمية لها، حاضرًا ومستقبلًا..
- الأول: أن إسرائيل تصر على تهجير كل سكان غزة إلى كل من مصر والمملكة الأردنية، وقد تصدت مصر لهذا الحلم، الذي رأته إسرائيل قاب قوسين، بعد السابع من أكتوبر، لكن مصر والرئيس السيسي أخذا على عاتقهما إجهاض ذلك الحلم، أولًا برفض تهجير الفلسطينيين إلى سيناء أو أي مكان آخر داخل مصر.
- ثانيًا: نجحت مصر في بناء موقف عربي شامل ودولي أيضًا يرفض التهجير ويعتبره نوعًا من الإبادة الجماعية وتصفية القضية الفلسطينية، وتدرك الحكومة الإسرائيلية أن الرئيس السيسي والدولة المصرية كلها وراء هذا الموقف.
- ثالثًا: نجحت مصر في جمع الفصائل الفلسطينية المتعددة والمختلفة فيما بينها على موقف موحد برفض التهجير واعتباره خطًا أحمر.
- رابعًا: تمكنت مصر من إقناع الإدارة الأمريكية، في عهد بايدن ثم في العهد الحالي ــ دونالد ترامب ــ بخطورة فكرة التهجير.
وقد حاولت إسرائيل، عبر أطراف دولية، أمريكية تحديدًا، تقديم العديد من المغريات لمصر لقبول التهجير، من بينها إنهاء مشكلة الديون الخارجية والمساعدة بأكثر من أربعين مليار دولار، وتوالت العروض، وكان الإصرار المصري على الرفض.
الثاني: تقوم مصر بعملية تحديث لأسلحة جيشها وتنويع مصادر السلاح؛ انضمام طائرات الرافال الفرنسية إلى قواتنا، وحاملتي طائرات الميسترال، بما يعطي قواتنا الجوية حرية وسرعة الحركة في أكثر من اتجاه، والحصول على غواصات متقدمة، والتعامل في مجال التسليح مع روسيا والصين، ليس التسليح فقط، بل التدريب أيضًا والمناورات العسكرية المشتركة مع الصين ومع باكستان وغيرها.
وهذا كله تراه إسرائيل مصدر قلق وخطر يتهددها، وقد عبر عدد من جنرالاتها عن ذلك القلق مرارًا، وعكسته بعض المواقع الإخبارية والصحف الإسرائيلية.
نظرية الأمن الإسرائيلي تقوم على أن تكون متفوقة على الجيوش العربية مجتمعة، وأن تكون كل دول الجوار ضعيفة عسكريًا، حبذا لو كانت دون جيوش.
لنراجع ما قامت به إسرائيل تجاه الجيش السوري عقب سقوط الرئيس بشار الأسد ونظامه في ديسمبر 2024.
هذا العداء الإسرائيلي للجيش المصري يترجم لدى المرتزقة الذين اصطنعتهم في لاهاي ودعاة الفوضى ولدى جماعة الإرهاب، إلى كلمات وشعارات عدائية بحق الجيش والعسكرية المصرية. تختلف التفاصيل والتعبيرات، لكن نقطة الالتقاء بينهما واضحة.
الثالث: قامت مصر في السنوات الأخيرة بعمليات تنموية واسعة في سيناء شمالًا وجنوبًا. خطة إسرائيل تقوم على أن تظل سيناء خالية من السكان، هذا مريح لها، ثم إنه يفتح باب الأمل لديها في إمكانية طرد جماعي لسكان غزة نحو سيناء، في أي لحظة فوضى واضطرابات يمكن اصطناعها. هي تريد أن تصبح سيناء فناءً خلفيًا لها.
عبّرت إسرائيل عن الانزعاج الشديد من الأنفاق الستة تحت القناة التي تربط سيناء بالوادي، فضلًا عن شبكة الطرق السريعة.. ذهبت بعض التحليلات الإسرائيلية إلى إمكانية استخدام الأنفاق في نقل سريع لقوات وعتاد عسكري.
مصر وقّعت معاهدة سلام، وتلتزم بها.. استراتيجية مصر تقوم على السلام.. وفي كثير من القضايا أكدت مصر أنه لا حل عسكريًا ينهي المشكلة، ولا بد من السلام.
الدليل الأكبر على مصداقية مصر هو ازدواج قناة السويس سنة 2014، المشروع الذي بدأ به الرئيس السيسي، ثم المنطقة الاقتصادية للقناة، وخطوات التنمية في سيناء.
الذي ينتوي الحرب لا يقدم على مشاريع تنموية بهذا الاتساع، لكن السلام يحتاج إلى قوة تردع أي طرف يخطئ التقدير والحسابات.
*****
في عز هزيمة مصر بعد يونيو 1967، ذهب وزير الدفاع الإسرائيلي الأشهر موشي ديان إلى مشايخ القبائل في سيناء، يريد منهم أن يتملصوا من مصريتهم، فردوه خائبًا.. قالوا له: صوت مصر يعلن من القاهرة وعلى لسان رئيسها.. لم يهابوا سطوة ديان وكل الأجهزة التي خلفه، فما بال هؤلاء الذين جلسوا في لاهاي، تحركهم وتقودهم سيدة صهيونية تترأس مؤسسة في لندن؟ يا للعار!
مؤتمر لاهاي ليس صوتًا للمعارضة، ولا هو منبر يطالب أو يريد إصلاحًا، لكنه إشارة حمراء من إسرائيل تجاه مصر، وأتصور أن الرأي العام في مصر، بخبرات تاريخية طويلة وعميقة، يعي ذلك جيدًا.








