حوار من قلب المخيمات
الدورة الثانية لمهرجان غزة «أكتوبر المقبل».. ونتحدى الاحتلال بعرض الأفلام داخل الخيام
رسالتنا للعالم: الشعب الفلسطينى لا يزال متمسكًا بهويته.. وللداخل: علينا أن نتمسك بالحياة والأمل
فى غزة، حيث تحاصر القنابل تفاصيل الحياة، وتتحول الخيام إلى بيوت مؤقتة، والدمار إلى مشهد يومى، ترفض السينما أن ترفع الراية البيضاء.. فبينما تهدم الحرب دور العرض والمراكز الثقافية، يصر صناع الفن الفلسطينى على إبقاء الشاشة مضيئة، ولو بشاشة صغيرة داخل خيمة، وعلى أن يظل للإنسان المحاصر صوته وذاكرته وحلمه.
من قلب المعاناة فى غزة التى هزمت المسافات وتحدت الحصار، يطل المخرج والكاتب الفلسطينى د.عز الدين شلح مؤسس ورئيس مهرجان غزة الدولى لسينما المرأة فى حوار خاص لـ«الجمهورية» بمناسبة إطلاق الدورة الثانية للمهرجان ومشاركته فى تأسيس أكاديمية غزة للسينما مستعيداً ذكريات طفولته ونشأته فى بيتٍ غزاويٍّ غُرس فيه عشق الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، ويكشف من خلاله عن عمق الروابط الروحية والامتداد الفنى الإستراتيجى بين السينما المصرية والفلسطينية، باعتبارهما جبهة ثقافية واحدة فى خندق الدفاع عن القضية.
ويكشف د.عز الدين تفاصيل الدورة الثانية من المهرجان، وتحديات إقامة تظاهرة سينمائية فى ظل الحصار والدمار، وخطط الوصول بالأفلام إلى مخيمات النازحين، حتى يصبح «البساط الأحمر» بين الخيام رسالة بأن الفن لا يموت مهما اشتدت الحرب.
حوارٌ من قلب الحصار، تختلط فيه ذاكرة الطفولة بوجع الحاضر، وتتقاطع فيه غزة مع القاهرة، والسينما مع السياسة، والحرب مع الأمل.. حوار يؤكد أن الكاميرا، حتى وهى محاصرة، تستطيع أن تكون شاهدة على التاريخ وحارسة للذاكرة وصانعة للحياة.
< ما أبرز الملامح التى تميز النسخة الثانية لمهرجان غزة الدولى لسينما المرأة عن الدورة التأسيسية الأولى؟
<< الدورة الثانية من مهرجان غزة الدولى لسينما المرأة تأتى أكثر نضجا واتساعا من الدورة التأسيسية الأولي، سواء من حيث حجم المشاركات وتنوعها، أو طبيعة البرنامج، أو الرؤية التى بدأ المهرجان فى بلورتها لمستقبله، فالدورة الأولى كانت بالنسبة لنا لحظة تأسيس وإعلان عن ولادة مشروع سينمائى وثقافى من غزة، أما الدورة الثانية فهى خطوة باتجاه ترسيخ هذا المشروع وتوسيع تأثيره، بحيث لا يظل المهرجان مجرد مناسبة سنوية لعرض الأفلام، وإنما يتحول تدريجيا إلى مساحة للإنتاج والتدريب وصناعة المواهب وبناء العلاقات السينمائية العربية والدولية.وقد أعلنت إدارة المهرجان عن تلقى 31 سيناريو للمشاركة فى مسابقة السيناريو من 12 دولة هى مصر وسوريا والأردن والجزائر والعراق والمغرب والسودان والبحرين والولايات المتحدة الأمريكية واليمن والدنمارك إضافة إلى فلسطين ومن المقرر أن تنطلق الدورة الثانية من المهرجان من مدينة غزة يوم 26 أكتوبر الموافق اليوم الوطنى للمرأة الفلسطينية إلى 13 أكتوبر 2026.
وقد حملت هذه الدورة عنوان «نساء يصنعن الحياة من الموت»، وهو عنوان لم نختره من باب البلاغة أو البحث عن شعار مؤثر، وإنما خرج من واقع الحياة التى تعيشها النساء الفلسطينيات فى غزة، فالمرأة هنا تعيش وسط الدمار والفقد والنزوح والخوف والظروف الإنسانية القاسية، ومع ذلك تواصل القيام بدورها داخل الأسرة والمجتمع، وتحاول أن تحافظ على أبنائها وذاكرتها وقدرتها على العمل والتعلم والإبداع، إنها بالمعنى الحقيقى للكلمة تحاول أن تنتزع الحياة من قلب الموت، وأن تحول الألم إلى طاقة للاستمرار، والفقد إلى ذاكرة، والدمار إلى إرادة لإعادة البناء، ولذلك أردنا أن يكون عنوان الدورة انعكاسا لهذه القدرة الاستثنائية لدى المرأة الفلسطينية على مقاومة الموت بالتمسك بالحياة والإبداع والعمل والأمل.
ومن أبرز ملامح الدورة الثانية العمل على دبلوم صناعة الأفلام السينمائية، وهو بالنسبة لنا خطوة أساسية فى تطور المهرجان، لأننا نريد الانتقال من عرض الأفلام التى تصنعها النساء إلى المشاركة الفعلية فى إعداد جيل جديد من صانعات السينما، وخاصة فى غزة، كذلك نعمل على تعزيز الحضور العربى والدولى للمهرجان، وتوسيع مساحة مشاركة صانعات السينما، والاهتمام بالأفلام والسيناريوهات التى تقدم رؤى إنسانية وفنية متنوعة.
كما نجحنا خلال الفترة الماضية فى بناء شبكة علاقات مع سينمائيين ونقاد ومؤسسات ومهرجانات عربية ودولية، وهذه العلاقات منحت الدورة الثانية مساحة أكبر للحركة والتواصل والحضور، وأصبحت لدينا خبرة تراكمية أكبر فى إدارة المهرجان والتعامل مع الأفلام ولجان التحكيم وصناع السينما والشركاء، وهو ما انعكس على وضوح هوية الدورة الثانية ورسالتها.
تحديات
< كيف استطعت تجاوز التحديات اللوجستية والأمنية الراهنة لإقامة هذه الدورة وخروجها إلى النور؟
<< إقامة مهرجان سينمائى فى غزة فى هذه الظروف هى فى حد ذاتها تحد كبير، لأننا لا نتعامل مع الصعوبات التنظيمية المعتادة التى يمكن أن تواجه أى مهرجان، وإنما مع واقع استثنائى يمس تقريبا كل تفصيل من تفاصيل العمل والحياة، ومنذ البداية تعاملنا مع المهرجان باعتباره مشروعا ثقافيا وإنسانيا يجب أن يستمر، ولم نرد أن نربط وجوده بتوفر الظروف المثالية، فاعتمدنا على فريق محلى قادر على العمل تحت ضغط كبير، وعلى شبكة من الأصدقاء والشركاء خارج فلسطين، واستخدمنا وسائل التواصل والعمل عن بعد فى الكثير من مراحل التنظيم والتنسيق.
لكن العمل من داخل غزة يضعنا أمام تحديات يومية تبدأ من الكهرباء، فالانقطاع المستمر للتيار يؤثر على مشاهدة الأفلام والمونتاج وتجهيز المواد وعمليات التحميل والإرسال، كما أن عدم توفر الوقود والسولار بشكل كاف يجعل تشغيل المولدات البديلة أمرا صعبا وغير مضمون، أما أماكن العرض فهى واحدة من أصعب المشكلات التى نواجهها، فالقاعات السينمائية غير متاحة، كما أن عددا من المراكز الثقافية والأماكن التى كانت تحتضن الفعاليات والعروض تعرض للقصف والتدمير، وبالتالى أصبحت إمكانية تنظيم عرض سينمائى بالطريقة التقليدية شبه معدومة.
ولدينا كذلك تحد كبير يتعلق بالإنترنت، فنحن نستقبل أفلاما ونحتاج إلى تنزيلها ورفعها وإعداد روابط المشاهدة وإرسالها إلى لجان التحكيم والتواصل مع المشاركين وصناع الأفلام، وفى ظل الإنترنت الضعيف والمتقطع فى غزة قد تتحول عملية تحميل فيلم أو إرساله إلى مهمة شديدة الصعوبة وتحتاج إلى محاولات كثيرة، كما أصبحت حركة التنقل بين المدن ومناطق قطاع غزة أكثر تعقيدا نتيجة تدمير أجزاء واسعة من الطرق والبنية التحتية، وهذا يؤثر فى حركة فريق العمل وفى قدرة الجمهور نفسه على الوصول إلى أماكن إقامة الأنشطة.
هذا الواقع أجبرنا على تغيير فلسفتنا فى الوصول إلى الجمهور، فبدلا من أن ننتظر الجمهور ليأتى إلى قاعة السينما قررنا أن نذهب نحن بالسينما إلى الجمهور، ولذلك نخطط لأن تصل عروض الدورة الثانية إلى مخيمات النزوح والتجمعات التى يوجد فيها الناس، حتى لو كان العرض داخل خيمة أو فى ساحة بسيطة، فنحن نريد أن تظل السينما موجودة بينهم، لأن الثقافة لا ينبغى أن تختفى بمجرد اختفاء المبنى الذى كان يحتضنها.
حتى جهاز العرض الذى كنا نستخدمه تعرض للتدمير نتيجة القصف، ومع ذلك بحثنا عن بدائل وأصبحنا نستخدم شاشة LCD صغيرة لإقامة بعض العروض، وربما لا تكون الإمكانات مثالية، لكن المسألة بالنسبة لنا لم تعد مرتبطة بحجم الشاشة أو شكل القاعة، وإنما باستمرار فعل السينما نفسه، وحتى البساط الأحمر الذى يرتبط عادة بالمهرجانات الكبرى ودور السينما نريد أن ننقله إلى مخيمات النزوح وأن نفرشه بين الخيام، وهذه الصورة بالنسبة لى تحمل معنى يتجاوز أى بروتوكول مهرجاني، فالإنسان الموجود فى الخيمة يستحق أيضا السينما والفن والجمال والاهتمام.
الخلاصة نريد أن نقول إن تدمير القاعة لا يعنى تدمير السينما، وتدمير المركز الثقافى لا يعنى نهاية الثقافة، ولذلك تحولت التحديات بالنسبة لنا من أسباب محتملة لإيقاف المشروع إلى أسباب إضافية للاستمرار فيه، وإلى جزء من رسالة المهرجان نفسه، أن غزة رغم كل ما تتعرض له ما زالت قادرة على إنتاج الثقافة والفن والحياة.
رسالة
> ما الرسالة الأساسية التى يسعى المهرجان إلى إيصالها للعالم من خلال الأفلام المشاركة فى هذه النسخة؟
<< رسالتنا الأساسية هى أن المرأة الفلسطينية والعربية ليست مجرد موضوع تتناوله السينما، وإنما هى أيضا صانعة للصورة والرواية والذاكرة، ونريد أن نمنح النساء المساحة والأدوات التى تمكنهن من رواية تجاربهن بأنفسهن ومن منظورهن الإنسانى والفني، وأن تكون المرأة كاتبة للحكاية وصاحبة الكاميرا والرؤية، لا مجرد شخصية يروى الآخرون قصتها نيابة عنها.
وفى الحالة الفلسطينية تأخذ هذه الرسالة بعداً أكثر عمقا، لأننا نريد أن نقول للعالم إن غزة ليست فقط الصورة التى تظهر فى نشرات الأخبار، فهناك مجتمع كامل وثقافة وذاكرة وفن ومبدعون ونساء ورجال وأطفال لديهم قصص وأحلام وعلاقات إنسانية وتفاصيل حياة تستحق أن تروي، ونحن لا نريد أن يختزل الإنسان الفلسطينى فى صورة الضحية فقط رغم حجم الألم الذى يعيشه، بل نريد أن يراه العالم إنسانا كاملا يحب ويحلم ويخاف ويبدع ويحاول بناء مستقبله، حتى عندما تصبح الظروف المحيطة به شديدة القسوة.
والسينما واحدة من أقوى الأدوات التى يمكن أن تحمل هذه الصورة إلى العالم، لأنها لا تسجل الحدث فقط، بل تحفظ المشاعر والتفاصيل والوجوه والأصوات والذاكرة، لكن للمهرجان أيضا رسالة داخلية موجهة إلى أهلنا فى غزة، وخصوصا إلى النازحين فى المخيمات، فنريد أن نقدم للناس مساحة مختلفة ولو لساعات قليلة عن واقعهم اليومي، أن يشاهدوا فيلما ويلتقوا ويضحكوا ويتفاعلوا، وأن يشعروا بأن هناك شيئا فى حياتهم يتجاوز الخوف وانتظار الأخبار.
ومن هنا تأتى أهمية الفن فى الأوقات الصعبة، لذلك يحمل المهرجان رسالتين متكاملتين، رسالة إلى العالم تؤكد أن الشعب الفلسطينى ما زال حيا ومتمسكا بثقافته وهويته وذاكرته، ورسالة إلى الداخل تقول إن علينا أن نتمسك بالحياة والأمل مهما اشتدت الظروف، وبهذا المعنى فالمهرجان ليس مجرد تظاهرة سينمائية لعرض الأفلام، وإنما فعل ثقافى وإنسانى لحماية الذاكرة والدفاع عن الحق فى الحياة والسرد والصورة والمستقبل.
< ما الذى يمثله إطلاق «أكاديمية غزة للسينما» فى هذا التوقيت، ولماذا تم اختيار منصة مهرجان فينيسيا الدولى للإعلان عن انطلاقتها الرسمية؟
<< هدفنا هو تأسيس فضاء مستدام للتعليم والإنتاج السينمائى فى قطاع غزة، وإتاحة الفرصة للشباب والنساء لرواية قصصهم وتجاربهم بأصواتهم وصورهم الخاصة للعالم. أما اختيار مهرجان فينيسيا الدولي، فهو خطوة إستراتيجية لربط صناع الأفلام فى غزة بالمجتمعات السينمائية العربية والدولية منذ اللحظة الأولى.
< كيف بدأ هذا المسار الأكاديمى، وإلى أين وصل الآن؟
<< بدأنا عام 2024 بالتحضير لدبلوم صناعة الأفلام، وفى مارس 2026 قدمنا تدريباً مكثفاً لـ 25 شابة فلسطينية لمدة 9أشهر. والآن، نطور درجة جامعية معتمدة بالتعاون مع جامعة القدس المفتوحة
< من هم أبرز صناع السينما المشاركين فى تأسيس هذه المبادرة؟
<< تضم الهيئة التأسيسية نخبة من المبدعين العرب والدوليين، منهم: مى المصري، كوثر بن هنية، آن مارى جاسر، صالح بكري، غرازيلا بيلدشيم، رامى يوسف، علاء كركوتي، وهيام عباس.
دور الفن المصرى
> كيف ترى دور الفن المصرى تاريخيا فى تبنى الرواية الفلسطينية؟
<< الفن المصرى لعب تاريخيا دورا محوريا فى التعبير عن القضايا العربية، وفلسطين كانت حاضرة فى السينما والأغنية والمسرح والأدب والثقافة المصرية بصورة عامة، فمصر لم تتعامل ثقافيا مع فلسطين باعتبارها قضية بعيدة عنها، بل كانت فلسطين جزءا من الوجدان العربى الذى عبر عنه الفنانون والمثقفون المصريون عبر مراحل مختلفة.
وتعد السينما المصرية اول من قدم أعمالا تناولت فلسطين والصراع العربى الإسرائيلى وذلك مثل فيلم فتاة من فلسطين وهو أول مصرى يصور ما حدث خلال حرب 1948 وفيلم ارض الابطال وفيلم ارض السلام والفيلم الملحمى باب الشمس للمخرج الكبير يسرى نصرالله، وبالطبع الدراما التليفزيونية ولعل باكورة إنتاج الشركة المتحدة صحاب الأرض كانت خير توثيق لما يحدث فى غزة والضفة الغربية من انتهاكات ومذابح على يد قوات الاحتلال الإسرائيلى كما كانت القضية الفلسطينية حاضرة فى مواقف عدد كبير من الفنانين والكتاب والمثقفين، وأعتقد أن قيمة هذا الدور تكمن فى أن الفن يمتلك قدرة مختلفة عن الخطاب السياسي، فالخطاب السياسى قد يرتبط بلحظة أو ظرف، أما العمل الفنى الحقيقى فيستطيع أن يعيش لعقود وأن ينتقل من جيل إلى آخر، وعندما يشاهد شاب اليوم فيلما أنتج قبل عشرات السنوات ويتعرف من خلاله إلى فلسطين أو إلى لحظة من التاريخ العربي، فإن الفن هنا يصبح جزءا من عملية نقل الذاكرة بين الأجيال.
وهذا ما نحتاج إليه اليوم أيضا، فالقضية الفلسطينية ليست مجرد قضية سياسية، بل قضية شعب يمتلك تاريخا وثقافة وهوية وذاكرة، والفن العربي، وفى القلب منه الفن المصرى بحكم تأثيره وانتشاره، يستطيع أن يلعب دورا بالغ الأهمية فى حماية هذه الذاكرة وإيصالها إلى أجيال جديدة وإلى جمهور أوسع.









