بعد أن تمت إجراءات تخريج دفعة جديدة من المرشحين للالتحاق بمنظومة العدالة من الاكاديمية العسكرية المصرية بعد إمضاء فترة التدريب والتأهيل، أنهى مقدم الحفل الفعالية بقوله «السلام الوطني» هنا أمسك السيد الرئيس بالميكروفون وتحدث مهنئاً الخريجين وأسرهم، ثم انتقل إلى إسداء بعض النصائح التوعوية للجميع وأعاد التأكيد على قضية الفهم والوعى ونشرهما كل فى محيطه دون كلل أو ملل، الرئيس حذر من أن المخططات التى تستهدف الدولة المصرية لم تتوقف وإنما تغيرت أشكالها وسياقاتها، الرئيس انتقل بعدها إلى تناول موضوع لم يسبقه أحد فى جرأة تناوله، فقد حث المسئولين على الشعور الفادح بالمسئولية تجاه مرؤوسيهم، ثم تحدث عن ظاهرة خطيرة استشرت فى بعض مؤسساتنا وجميعنا يعيش معها ويتعايش رغما عنه لكن احدا منا لم يفتح الملف، «الاستعلاء الوظيفي» فكرت مليا فى هذه الظاهرة التى تعد من أخطر الأمراض التى يمكن أن تصيب أى مؤسسة وفقا لما حذر منه الرئيس ذلك المرض الصامت الذى لا يظهر فى التقارير، ولا ترصده دفاتر الحسابات، لكنه يتسلل إلى النفوس والمكاتب والممرات حتى يفسد بيئة العمل من الداخل، وأعنى به «الاستعلاء الوظيفي»؛ حين ينسى البعض أن المنصب تكليف لا تشريف، وأن الكرسى وسيلة لإنجاز العمل وليس منصة للنظر إلى الناس من أعلي.
الاستعلاء الوظيفى ليس مجرد سوء خُلُق، ولا هو حالة عابرة من الغرور، بل سلوك إدارى شديد الخطورة حين يصبح جزءًا من ثقافة المؤسسة. يبدأ بنبرة صوت، أو تجاهل لموظف صغير، أو تأخير متعمد لمصلحة، أو إغلاق باب فى وجه صاحب حق، ثم يتحول تدريجيًا إلى حالة كاملة يصبح فيها صاحب الوظيفة مقتنعًا بأنه أهم من الوظيفة نفسها، وأن الناس وُجدوا لخدمته، لا أنه وُجد لخدمتهم.
بعض الموظفين، ما إن يضع أحدهم قدمه على درجة أعلى فى السلم الإداري، حتى تتغير لغته ومشيته وطريقة حديثه، وربما حتى ذاكرته؛ ينسى من أين بدأ، ومن وقف إلى جواره، ومن علّمه، ويبدأ فى صناعة حواجز وهمية بينه وبين من هم أقل منه درجة. وهنا تحديدًا تبدأ المشكلة؛ لأن المؤسسة التى تسمح بهذا النوع من السلوك لا تخسر فقط رضا العاملين، وإنما تخسر أهم عناصر قوتها: الثقة والانتماء والمبادرة.
المدير الحقيقى لا يحتاج إلى رفع صوته ليؤكد سلطته، ولا يحتاج إلى إذلال مرؤوسيه حتى يشعر بقيمته. صاحب الكفاءة يفرض احترامه بعلمه وعدله وإنجازه، أما صاحب الاستعلاء فيحاول أن يستمد هيبته من الخوف، ويخلط بين الاحترام والرهبة، وبين الإدارة والسيطرة، وبين الحزم والإهانة.
والفارق كبير.
الحزم يعنى أن تكون هناك قواعد تطبق على الجميع، أما الاستعلاء فهو أن تصبح القواعد سوطًا فى يد شخص يستخدمه حين يريد، ويتجاهله حين يريد. الحزم يحمى المؤسسة، أما الاستعلاء فيحولها إلى دوائر من النفاق؛ كل موظف يخشى أن يقول الحقيقة، وكل مسئول يسمع فقط ما يريد أن يسمعه، حتى تصل إلى القيادة صورة مزيفة عن الواقع.
وهنا تتحول المؤسسة إلى مسرح كبير: الجميع يبتسم، والجميع يقول «تمام يا فندم»، والجميع يخشى نقل المشكلة، بينما تتراكم المشكلات فى الصمت.
المثير أن الاستعلاء الوظيفى فى أحيان كثيرة لا يكون تعبيرًا عن القوة، بل عن ضعف داخلي. فالإنسان الواثق من نفسه لا يحتاج إلى تحقير الآخرين، وصاحب الإنجاز لا يحتاج إلى استعراض منصبه فى كل لحظة، وصاحب المكانة الحقيقية يعرف أن احترام الناس له لا يأتى من اللافتة المعلقة على باب مكتبه، وإنما من الطريقة التى تعامل بها معهم.
المناصب مؤقتة مهما طالت، والكراسى تدور، والموظف الذى تنظر إليه اليوم من أعلى ربما تجلس أمامه غدًا فى موقع مختلف. وما يبقى فى النهاية ليس عدد الأبواب التى أُغلقت فى وجوه الناس، ولا عدد الموظفين الذين وقفوا احترامًا للمنصب، وإنما الأثر الذى تركه الإنسان فى مؤسسته وفى نفوس من عملوا معه.
نحن بحاجة إلى ثقافة إدارية جديدة تضع الكفاءة فوق الاستعراض، والاحترام فوق الاستعلاء، والعمل فوق البروتوكول، وتذكر كل مسئول بأن الوظيفة العامة أو الخاصة ليست امتيازًا شخصيًا، وإنما مسئولية لها بداية ونهاية.
وأخطر ما يمكن أن يحدث فى أى مؤسسة أن يعتقد المسئول أنه أكبر منها؛ فالمؤسسات تبقي، والمناصب تزول، ولا يبقى من الإنسان إلا سيرته.
ومن هنا فإن مواجهة الاستعلاء الوظيفى ليست ترفًا أخلاقيًا، وإنما ضرورة إدارية؛ لأن الموظف الذى يحترم الناس يبنى مؤسسة، أما الذى يستعلى عليهم فإنه، مهما بدا قويًا، يهدمها من الداخل.









