فى أسبوع واحد، استولت جولتان ميدانيتان لاثنين من المحافظين داخل محافظتيهما، وما حدث خلالهما وبعدهما من تداعيات، على مساحة كبيرة من اهتمام ومتابعة الرأى العام المحلى أكثر من أى حدث آخر.
المحافظان هما محافظ القليوبية فى جولته على بعض مدارس المحافظة بمناسبة بدء العام الدراسى الجديد، ومحافظ أسوان فى جولته لتفقد سير العمل فى بعض الوحدات التى تقدم خدمات للمواطنين شملت الشهر العقارى.
محافظ القليوبية تعامل مع اثنين من مديرى المدارس: الأستاذة »صالحة« والأستاذ »نادر« بطريقة لا تليق أمام مرءوسيهما وفى حضور الكاميرات المصاحبة له، وحاسبهما بأسلوب أثار نقابة المعلمين التي اعتبرته إهانة لكل المعلمين، وخاطبت النقابة رئيس مجلس الوزراء لوقف هذا الأسلوب، بل ودفع وزير التربية والتعليم للرد على المحافظ ووضعه أمام مسئوليته قبل أن يحاسب الآخرين، واستقبال مديرى المدرستين بمكتبه وتكريمهما واعتبارهما رمزاً مشرفاً للمعلمين كافة.
ومحافظ أسوان ووجه بالرفض حين طلب من مسئول الشهر العقارى إطلاعه على كشف حضور وانصراف العاملين للتأكد من تواجد القوة العاملة الكافية لخدمة المواطنين فواجهه المسئول بأن الشهر العقارى يتبع وزارة العدل وليس للمحافظ حق فى هذا الطلب.. وحين تحدث إلى أحد العاملين فإن الموظف رد عليه من الوضع جالساً، ورفض الامتثال لطلبه حين قال له: »قم اقف وانت بتكلمنى«.
الواقعتان ـ فى رأيي ـ أكبر من اعتبارهما حالتين فرديتين، وأهم كثيراً من أن ينتهيا بتكريم اثنين من المعلمين أو الإشادة بالوزير ورفض أسلوب محافظ، لأنهما تعكسان خللاً يستحق أن نقف عنده، وأن نهتم بدراسة أسبابه وعلاجها.
فالوزير والمحافظ، فى أى وزارة وأى محافظة، ليسا، ولا ينبغى أن يكونا فى موقع التعارض أو التصادم، لأنهما ـ معاً ـ يمثلان كياناً دستورياً واحداً هو »السلطة التنفيذية« التى تبدأ فى الدستور بالفرع الأول وهو رئيس الجمهورية، ثم الفرع الثانى وهو الحكومة، فالثالث وهو الإدارة المحلية.
وقد أفرد الدستور للفرع الأول 23 مادة، وللثانى 12 وللثالث 9 مواد.
وللأسف، فإن المواد التسع الخاصة بالإدارة المحلية فى الدستور، يشوب بعضها عدم ضبط الصياغة حيث تنص المادة الأولى منها والتى تحمل رقم »175« على ما يلى: تُقَسّم الدولة إلى وحدات إدارية تتمتع بالشخصية الاعتبارية »منها المحافظات« والمدن والقرى.. إلى نهاية المادة.
وطبعاً، لا يوجد شىء اسمه »منها المحافظات« لأن الواقع والمفترض أن المحافظة ليست »من« الوحدات الإدارية، بل هى على رأس هذه الوحدات، وهى الوحدة الأم، ووصفها بـ »منها« فيه إقلال من شأنها ينبغى تصحيحه فى أى تعديل دستورى قادم.
ورغم أن المحافظ هو قمة هرم الإدارة المحلية، وينبغى أن يكون له ولو مادة واحدة مستقلة تعبر عن هذا المعنى، فقد تجاهل المشرّع الدستورى ذلك دون مبرر، واكتفى بجمعه بمادة وتنص على: {ينظم القانون شروط وطريقة تعيين أو انتخاب المحافظين ورؤساء الوحدات الإدارية المحلية الأخرى ويحدد اختصاصاتهم} المادة 179.
وحين تذهب إلى قانون الإدارة المحلية الحالى الذى يحمل رقم 43 لسنة 1979 ولائحته التنفيذية لتبحث عن »شروط« لتعيين المحافظين، فإنك لا تجد بين المواد العشر التى يضمها الفصل الثانى من القانون وعنوانه {المحافظون} أى شروط، سوى شرط واحد وهو أن المحافظ لا يجب أن يكون عضواً بمجلس الشعب أو مجلس الشورى أو المجالس الشعبية المحلية، وهو شرط بديهى وتحصيل حاصل لأنه جزء من السلطة التنفيذية التى تخضع لرقابة هذه المجالس.
والمصادر التى يأتى منها المحافظون معروفة، ويتفق معظمها مع الاحتياجات الفعلية للمحافظة التى يتم تعيينهم فيها.. فالمحافظات الحدودية مثلاً تحتاج لقيادات عسكرية، والمحافظات التى يمثل حفظ الأمن فيها أولوية خاصة تحتاج لقيادات أمنية، وهو ما يتم بالفعل ويمثل تجربة مستقرة وناجحة لأنها مرتبطة بالتخصص المهنى والخبرة الميدانية العملية فى التعامل مع هذه المجتمعات المحلية واحتياجاتها طبقاً لخطط الدولة.
لكن بعض الاختيارات الأخرى للمحافظين يلزمها تأهيل للمنصب، وهو ليس أمراً معيباً لا لشخص المرشح للمنصب ولا لمكانه أو تخصصه.
فحين ننتزع أستاذاً جامعياً متخصصاً فى الزراعة مثلاً ليتولى منصب المحافظ فى محافظة زراعية أو أستاذاً فى الهندسة لمحافظة صناعية أو غير ذلك، فإننا نفرض عليه التحول من شخصية وعقلية أكاديمية عاشت عمرها المهنى داخل مدرجات الجامعة بين الطلبة والأبحاث والمناهج، إلى شخصية جماهيرية لن يقتصر تعاملها على الزراعة والصناعة فقط، بل يمتد إلى كل مرافق الحياة، وإلى كل صنوف البشر، وفى مجال لا يتمتع بانضباط مدرجات الجامعة، بل هو أقرب إلى العشوائية والانفلات.
هذه النقلة التى تتم دون أى تأهيل وإعداد ذهنى ونفسى مسبق لصاحبها، لابد أن تكون بعض مخرجاتها هى تلك السلوكيات المنفلتة من بعض من يتولون هذه المناصب، ولم تتحقق لهم القدرة على التكيف مع أوضاعهم ومسئولياتهم الجديدة.
بل إنه من الواضح أن بعض المحافظين لا يحيطون علماً ببعض مسئولياتهم، وهذا ما كشفته الواقعتان هذا الأسبوع.
فمحافظ القليوبية الذى يحاسب مديرى المدارس على ما يراه تقصيراً من جانبهم فى إعداد مدارسهم للعام الدراسى الجديد، لم يقرأ بالتأكيد اللائحة التنفيذية لقانون الإدارة المحلية فى بابها الثانى الخاص بـ »اختصاصات الوحدات المحلية«، والفصل الثانى منه عن »شئون التعليم« والذى تنص مادته الخامسة على: »كل شئون التعليم بالمحافظة والمراكز والمدن والأحياء والقرى من اختصاص الوحدات المحلية«. ولذلك جاء رد وزير التعليم عليه مفحماً.
ومحافظ أسوان الذى وضع نفسه فى موقف حرج مع مسئول الشهر العقارى، حين نسى أنه ليس من سلطته القانونية الاطلاع على كشوف حضور وانصراف العاملين، لأنه لم يذاكر جيداً حدود اختصاصاته ومسئولياته.
بقيت نقطة أخيرة لختام هذا العرض، وهى أن تجاوز بعض المسئولين المحليين ناتج، فى أحد أهم أسبابه ـ عن غياب الرقابة والمحاسبة الشعبية لهم.. ولو كانت المجالس الشعبية المنتخبة موجودة بالمحافظات لما حدث مثل هذا التجاوز.. وهى رسالة تلح علينا بأهمية إخراج مشروع قانون الانتخابات المحلية من الأدراج إلى أرض الواقع استكمالاً للبناء الدستورى للنظام السياسى فى الجمهورية الجديدة.









