فى وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمى تحولات متسارعة وإعادة تشكيل لخريطة التجارة والتمويل، كانت مصر حاضرة بقوة، للعام الثالث على التوالى، فى أعمال القمة الثامنة عشرة لتجمع «البريكس» التى استضافتها الهند، حيث تكتسب مشاركة مصر فى تجمع البريكس أهمية اقتصادية تتجاوز البعد السياسى، خاصة مع تنامى ثقل التكتل الذى يضم مجموعة من أكبر الاقتصادات والأسواق العالمية.
وتراهن مصر على عضويتها فى البريكس منذ انضمامها الرسمى للتجمع فى عام 2024 لفتح أسواق جديدة أمام صادراتها، وجذب استثمارات أجنبية، والاستفادة من التمويلات التنموية، إلى جانب التوسع فى التعامل بالعملات المحلية مع بعض الدول الأعضاء بما قد يخفف الضغط على الدولار واحتياجات تدبير النقد الأجنبى..ولكن يبقى السؤال الأهم: إلى أى مدى تستطيع مصر تحويل عضويتها فى البريكس من فرصة إستراتيجية إلى مكاسب اقتصادية حقيقية تقاس بحجم الاستثمارات والصادرات والتمويلات، وهل يمكن للعملات المحلية أن تصبح أداة فعالة لتقليل الطلب على الدولار؟
خبراء الاقتصاد أكدوا لـ«الجمهورية الأسبوعى» ان الأزمات الكبرى غالبا ما تخلق فرصا جديدة لإعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية والسياسية، وهو ما ينطبق على تجمع «البريكس»، الذى يمثل فرصة أمام الدول الأعضاء لإعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية وتعزيز التعاون فيما بينها، وأن اتساع الأسواق داخل تجمع البريكس، وما تتمتع به دوله من كثافات سكانية كبيرة، يمثل فرصة مهمة أمام مصر لزيادة صادراتها والنفاذ إلى أسواق جديدة، خاصة فى ظل ما تمتلكه المنتجات المصرية من فرص فى عدد من القطاعات، مؤكدين أن الاستفادة الحقيقية من عضوية مصر فى التجمع لا تتحقق بمجرد زيادة الواردات، وإنما من خلال تحقيق توازن أفضل فى المبادلات التجارية وزيادة القيمة المضافة للصادرات المصرية.
أكد د.محمد يونس، أستاذ الاقتصاد وعميد كلية التجارة بجامعة الأزهر سابقا، أن مشاركة مصر فى قمة البريكس تحمل مكاسب اقتصادية وإستراتيجية مهمة، خاصة فى ظل تنامى الثقل الاقتصادى للتجمع، الذى يضم 11 دولة ويمثل نحو 40 ٪ من الاقتصاد العالمي، مشيرا إلى أن انضمام مصر رسميا إلى البريكس منذ يناير 2024 يفتح أمام الاقتصاد المصرى مسارات جديدة للتجارة والاستثمار والتمويل.
وأوضح أن حجم التبادل التجارى بين مصر ودول البريكس ارتفع من 45 مليار دولار عام 2024 إلى 53.5 مليار دولار عام 2025، بنسبة نمو بلغت 18.8 ٪، كما سجل 36.7 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، مقابل 29.3 مليار دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025، بنسبة نمو بلغت 25.5 ٪ ، كما ان الصادرات المصرية إلى دول البريكس ارتفعت من نحو 9.5 مليار دولار عام 2024 إلى نحو 14 مليار دولار عام 2025، فيما بلغت 6.6 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، مؤكدا أن هذه المؤشرات تعكس اتساع فرص النفاذ أمام المنتجات المصرية إلى أسواق دول التجمع.
وأضاف أن من أبرز المكاسب أيضا جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، موضحا أن استثمارات دول البريكس فى مصر ارتفعت إلى 3.7 مليار دولار خلال النصف الأول من العام المالى 2025/2026، مقابل 2.9 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام المالى السابق، بنسبة نمو بلغت 29.7 ٪، وتتركز أبرز الفرص الاستثمارية فى قطاعات الزراعة والصناعة والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية، خاصة فى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
وأشار «د.يونس» الى أن بنك التنمية الجديد التابع للبريكس يمثل أحد أهم المكاسب التى يمكن لمصر الاستفادة منها، من خلال توفير تمويلات ميسرة لمشروعات البنية التحتية والتنمية المستدامة، خاصة فى مجالات الطاقة الجديدة والمتجددة والنقل والمياه والصرف الصحي، بما يدعم خطط التنمية ويعزز قدرة الاقتصاد المصرى على جذب استثمارات جديدة، و أن التوسع فى استخدام العملات المحلية فى تسوية المعاملات التجارية يمثل مكسبا مهما لمصر، مؤكدا أنه لا توجد حتى الآن بيانات رسمية متاحة لديه تحدد حجم المعاملات التى تمت فعليا بهذه الآلية، إلا أن التوسع فيها يمكن أن يقلل الحاجة إلى العملات الأجنبية فى تمويل جانب من الواردات، ويخفف الضغط على الاحتياطى النقدى ويحد من مخاطر تقلبات أسعار الصرف.
ويرى ان دول البريكس تمثل سوقا كبيرة أمام الصادرات المصرية، خاصة المنتجات الزراعية والغذائية والكيماويات والأسمدة والمنتجات الصناعية، فضلا عن الخدمات اللوجستية المرتبطة بقناة السويس، كما أن تنوع المزايا النسبية لدول التجمع يتيح فرصا أوسع للتجارة البينية، وعضوية مصر فى البريكس تتيح كذلك فرصا مهمة لنقل التكنولوجيا وتعزيز التعاون الصناعي، والاستفادة من الخبرات المتقدمة فى مجالات الزراعة والصناعة والطاقة والبنية التحتية، إلى جانب دعم التحول الرقمى والذكاء الاصطناعى.
وشدد على أن أحد المكاسب المهمة يتمثل فى دمج الشركات المصرية فى سلاسل القيمة والإمداد العالمية، بما يسمح لها بالمشاركة فى مراحل الإنتاج لدى الشركات الكبرى بدول التجمع، وهو ما يمكن أن يعزز القدرة التنافسية للصناعة المصرية ويفتح أسواقا جديدة أمام المنتجات المحلية، كما ان مكاسب مصر من البريكس لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، وإنما تمتد إلى أبعاد سياسية وإستراتيجية، من بينها تعزيز مكانة مصر الدولية ومشاركتها فى صياغة توجهات النظام الاقتصادى العالمى متعدد الأقطاب، مؤكدا أن موقع مصر الجغرافى يجعلها بوابة تجارية مهمة لدول البريكس إلى الأسواق العربية والأفريقية والأوروبية.
وقال «د.يونس» إن مصر مطالبة باستغلال المزايا والتسهيلات التى توفرها عضوية البريكس لتعظيم إنتاجها المحلي، وزيادة قدرتها التنافسية، والاستفادة من الواردات فى عمليات التصنيع وإعادة التصنيع، خاصة إذا كانت فى صورة مواد خام أو مستلزمات إنتاج، بما يسهم فى خلق قيمة مضافة وفرص عمل وزيادة الصادرات، وان موقع مصر الجغرافى يمثل ميزة إستراتيجية مهمة داخل التجمع، فهى تتوسط قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا، وتمتلك قناة السويس التى تعد من أهم الممرات الملاحية العالمية، وهو ما يمنحها قدرة كبيرة على القيام بدور محورى فى حركة التجارة والاستثمار بين دول البريكس والأسواق العربية والأفريقية والأوروبية.
وعن أبرز التحديات التى تواجه التجمع أكد أن تفاوت القوة الاقتصادية بين دوله واختلاف أولوياتها ومصالحها، موضحا أن الصين، على سبيل المثال، تمتلك ثقلا اقتصاديا كبيرا، بينما تركز البرازيل بدرجة أكبر على التنمية الزراعية، وهو ما قد يجعل الوصول إلى مواقف موحدة أكثر صعوبة، واعتبر أن هذا التفاوت يمكن أن يتحول فى الوقت نفسه من تحد إلى فرصة، إذا نجحت دول البريكس فى توظيف المزايا النسبية لكل دولة، بحيث يحدث تكامل بين القطاعات الاقتصادية المختلفة، بما يعزز التعاون المشترك ويخلق سلاسل إنتاج وتجارة أكثر قوة بين الدول الأعضاء، مشددا على أهمية التعامل مع هذه التحديات من خلال بناء هوية مشتركة بين دول التجمع، وعدم قصر التعاون على الجوانب الاقتصادية فقط، وإنما توسيعه ليشمل الأبعاد الثقافية والإنسانية، بما يساعد على ترسيخ العلاقات بين الشعوب والدول الأعضاء.
ويرى أن البريكس، لا يمثل مجرد تجمع اقتصادى أو سياسي، وإنما يعكس اتجاها نحو إعادة تشكيل النظام العالمى والانتقال من نظام أحادى القطب إلى نظام أكثر تعددية، بما يمنح الدول النامية والاقتصادات الصاعدة مساحة أكبر للمشاركة فى صياغة القرارات الاقتصادية والسياسية الدولية، وأن التحولات التى يشهدها العالم والأزمات المتلاحقة تفرض على الدول البحث عن أطر جديدة للتعاون، مؤكدا أن قوة البريكس ستتوقف فى النهاية على قدرة دوله على تجاوز الخلافات وتوحيد المصالح وتحويل الوزن الاقتصادى الكبير للتجمع إلى مشروعات واتفاقات ومبادلات تجارية واستثمارية تحقق مصالح جميع أعضائه.
وأشار إلى أن مصر يمكنها أن تلعب دورا مهما داخل هذا الإطار، مستفيدة من موقعها الجغرافى وقناة السويس وحجم سوقها المحلي، إلى جانب قدرتها على الوصول إلى الأسواق العربية والأفريقية والأوروبية، بما يجعلها مركزا للتجارة والإنتاج والخدمات اللوجستية لدول البريكس، وأن التحدى الأساسى أمام مصر هو الانتقال من مرحلة الاستفادة من عضوية البريكس إلى مرحلة التأثير والاستفادة الاقتصادية الفعلية، من خلال زيادة الإنتاج المحلي، ورفع جودة وتنافسية المنتجات المصرية، وتعظيم الصادرات، وجذب الاستثمارات، والاستفادة من آليات تسوية المبادلات التجارية بالعملات المحلية، بما يسهم فى تخفيف الضغط على موارد النقد الأجنبى وتعزيز قدرة الاقتصاد المصرى على مواجهة الصدمات الخارجية.
استقرار التعاملات التجارية
أكد د.خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي، أن مشاركة مصر فى قمة البريكس تعكس أهمية التكتل فى دعم الشراكات الاقتصادية وتنويع مصادر التجارة والاستثمار والتمويل، مشيرا إلى أن المشاركة للعام الثالث على التوالى منذ انضمامها الرسمى للتجمع فى يناير 2024، تمثل فرصة إستراتيجية لعرض أولويات الاقتصاد المصرى أمام قادة أكبر الاقتصادات الصاعدة، كما ان عضوية مصر فى البريكس تفتح فرصا أوسع أمام الصادرات المصرية للوصول إلى أسواق كبيرة، خاصة فى قطاعات الزراعة والصناعات الغذائية والأسمدة والكيماويات والصناعات الهندسية، لافتا إلى أن الصادرات المصرية لدول التجمع سجلت 6.6 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026.
ويرى أن التعامل بالعملات المحلية مع روسيا والصين يمكن أن يسهم فى تقليل الحاجة إلى تدبير الدولار لتمويل جانب من التجارة الخارجية، بما يخفف الضغط على سوق الصرف ويدعم استقرار التعاملات التجارية، مؤكدا أن الاستفادة الحقيقية من هذه الآلية ترتبط بوجود آليات مصرفية فعالة لتسوية المدفوعات وتغطية مخاطر تغير أسعار الصرف، و أن التوسع فى استخدام العملات المحلية يواجه تحديات، أبرزها العجز التجارى لصالح بعض دول البريكس، موضحا أن زيادة الواردات مقارنة بالصادرات تجعل تحقيق توازن فى التسويات بالعملات المحلية أمرا يحتاج إلى آليات مقاصة وترتيبات مصرفية مناسبة.
وعن تحويل عضوية البريكس إلى مكاسب اقتصادية ملموسة أوضح «د.الشافعي» ان ذلك يتطلب التركيز على زيادة الإنتاج والصادرات، وجذب استثمارات موجهة للتصدير، خاصة إلى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إلى جانب الاستفادة من التمويلات التى يتيحها بنك التنمية الجديد لتمويل مشروعات البنية الأساسية والطاقة والتحول الأخضر، وأن نجاح مصر فى استغلال عضويتها يتوقف فى النهاية على قدرتها على تحويل هذه الشراكات إلى استثمارات وإنتاج وصادرات جديدة، وليس فقط زيادة حجم التجارة، بما يدعم موارد الدولة من النقد الأجنبى ويعزز قدرة الاقتصاد المصرى على مواجهة التحديات الخارجية.
تسوية المعاملات التجارية
قال د.أحمد عبداللا، الخبير الاقتصادي، إن تجمع البريكس أصبح يمثل ثقلا اقتصاديا متزايدا على الساحة العالمية، موضحا أن دول التجمع تمثل نحو 50 ٪ من سكان العالم و40 ٪ من الاقتصاد العالمي، فيما يصل حجم صادراتها البينية إلى نحو 1.2 تريليون دولار، وهو ما يعزز أهمية انضمام مصر للتجمع باعتباره مسارا جديدا لتنويع الشراكات الاقتصادية وتقليص الاعتماد على الدولارمشيراإلى أن بنك التنمية الجديد التابع للبريكس يمثل إحدى أهم أدوات التمويل أمام الدول الأعضاء، و أن البنك ضخ منذ عام 2015 تمويلات تقترب من 43 مليار دولار، كما يتيح لمصر فرصا للحصول على تمويل ميسر لمشروعات البنية الأساسية والتحول الأخضر.
وأضاف أن عضوية البريكس تفتح أمام الصادرات المصرية أسواقا جديدة، خاصة فى الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، مع فرص كبيرة لقطاعات الزراعة والصناعات الغذائية والكيماويات والمستلزمات الطبية، إلى جانب جذب استثمارات فى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر، والصناعات والتكنولوجيا، وأن التعامل بالعملات المحلية، مثل الجنيه والروبل أو الجنيه واليوان، يمكن أن يقلل الحاجة إلى تدبير الدولار لتمويل جانب من الواردات، ويسهم فى تخفيف الضغط على سوق الصرف وتقليل تأثر الاقتصاد المصرى بتقلبات الدولار وأسعار الفائدة العالمية.
وأشار «د.عبداللا» إلى أن التعاملات بالعملات المحلية بدأت تتوسع، وأن الجنيه المصرى أُدرج ضمن العملات المحددة بسعر الصرف الرسمى لدى البنك المركزى الروسي، كما توجد ترتيبات لتسوية جزء من التعاملات التجارية والسياحية بالروبل والجنيه، وأن مصر استفادت أيضا من آليات التعامل باليوان، إلى جانب إصدار سندات الباندا فى السوق الصينية، وأن تحويل نحو 25 ٪ إلى 30 ٪ من التعاملات التجارية مع الصين وروسيا إلى آليات العملات المحلية أو المقاصة التجارية يمكن أن يوفر نحو 4.5 إلى 6 مليارات دولار سنويا من الطلب المباشر على الدولار.
وعن أبرز التحديات أوضح أنها تتمثل فى اختلال الميزان التجاري، وضعف تكامل أنظمة الدفع، ومخاوف الشركات من تحويل الأرباح بالعملات الأجنبية، مؤكدا أن تعظيم مكاسب مصر من البريكس يتطلب زيادة الإنتاج والصادرات، وربط التعاملات بالعملات المحلية بالاستثمار المباشر، وتسريع التكامل فى أنظمة الدفع، وتقديم حوافز لجذب استثمارات دول البريكس وتوطين التكنولوجيا والصناعات داخل مصر.









