سأله شخص من أبناء مدينته: من سيذيع خبر وفاتك بعد مماتك يا عوضين؟
فكر الرجل قليلاً ويبدو أنه لم يجد جواباً مناسباً، فقال:
أنا، أنا بإذن الله.
ضحك السائل والمسئول والحاضرون وانتهت المسألة وانصرف كل واحد من الجمع إلى حال سبيله.
بدأ الصبى اليتيم حياته العملية مبكراً بعد وفاة أبيه، طلب منه أحد تجار السمك أن ينادى على بضاعته وأعطاه خمسة قروش وكمية من السمك وذلك إكراماً لأبيه الراحل الذى كان يملك عربة حنطور يعمل عليها فى نقل الركاب بين البرين الشرقى والغربى للنيل.
مضى عوض عوضين فى شوارع المدينة الصغيرة يحمل فى كفيه الصغيرتين بعض الأسماك ينادى على السمك واسم البائع والمكان الذى يجلس فيه.
ظهرت مواهبه وتلألأت مع مرور الأيام.. أتقن الفتى صنعته وأحسن مهنته بصورة جذبت الأنظار وأكدت ذكاءه وعبقريته.
يذكر أنواع السمك واسم البائع وثمن كل نوع أو الأغراض التى يصلح لها والأمراض التى يشفى منها وآثاره الإيجابية على الأبدان المجهدة المتعبة.
اضاف بين الحين والآخر معلومات مفيدة وجديدة صاغها فى جمل قصيرة بديعة تشبه الشعر حفظها الجميع.. رددها الكبار مع الصغار فى المنازل والشوارع وانتقلت مع مرور الأيام إلى القرى المجاورة والمدن القريبة.
«المعلم بيبيع بيضحى للجميع، «ها تيلك حلة زى بتوع المحلة»
امتدت المدينة فى جميع الاتجاهات وازدادت مساحتها وأضاف عوضين إلى عمله السابق عملاً جديداً هو الاعلان عن الوفيات بعد نجاحه الساحق فى عمله الأول.
فى أول الأمر كان يعلن نبأ الوفاة وموعد الجنازة ومكان سرادق العزاء.. وبعد وقت قصير يصيغ كلماته فى عبارات رصينة وأضاف إليها آيات كريمة وأقوالاً مأثورة.
بعد ذلك بدأ فى محاكاة ما تنشره الصحف وذكر اسماء الأبناء والاشقاء والأقارب والعائلات وغيرها من المعلومات التى ترد فى صفحات الوفيات.
تفاءل به التجار خيراً وتسابقوا عليه للإعلان عن محلاتهم وسلعهم وأعطوه منها عن رضى وطيب خاطر.. وفى عمله الآخر أخذ يقلد مراسلى التليفزيون فى نشرات الأخبار ويعرض الموضوع بأسلوب إخبارى سهل يزيَّنه بعبارات أدبية جميلة ويختتم حديثه بذكر اسمه ومدينته.
ذات ليلة دخل الرجل حجرته ووضع جهاز التسجيل أمامه وفتح الجهاز:
ــ سبحان من له الدوام
الملك لك يارب
توفى إلى رحمه الله المرحوم عوض عوضين والجنازة بعد الظهر من جامع شمس الدين.
وإنا لله وإنا إليه راجعون
أغلق جهاز التسجيل وطلب من نجله الأكبر أن يحتفظ بالشريط ولا يفتحه إلا بعد وفاته.
وفى صباح اليوم التالى دارت عربة الحنطور تذيع نبأ وفاة صاحبها المنادى الشهير الذى نعى نفسه بنفسه وفى صلاة الجمعة إحتشدت المدينة على قلب رجل واحد تشيَّع نجمها الكبير وتودعه إلى مثواه الأخير.









