سعة النفس أن ينهض الرجل بعظائم الأمور بل بأعظمها جداً ووقاراً إقامة الأديان وإصلاح الأمم وتحويل مجرى التاريخ ثم يطيب نفساً للفكاهة ويطيب عطفاً على المتفكهين. ويشركهم فيما يشغلهم من طرائف الفراغ فللجد صرامة تستغرق بعض النفوس فلا تتسع لهذا الجانب اللطيف من جوانب الحياة.. ولكن النفوس لا تستغرق هذا الاستغراق إلا دلت على شئ من ضيق الحظيرة ونقص المزايا وإن نهضت بالعظيم من الأعمال.. فاستراحة محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى الفكاهة هى مقياس تلك الآفاق النفسية الواسعة التى شملت كل ناحية من نواحى العاطفة الإنسانية، وهى المقياس الذى يبدى من العظمة ما يبديه الجد فى أعظم الأعمال ومن الأمور التى افتقدناها اليوم فى مجتمعاتنا الإسلامية: هو الملاطفة بالقول فى المزاح. ومداعبة الإخوان والخلان، مما يضفى على الحياة الاجتماعية روحا شفافة، تستمع النفوس بجمالها ووتتذوق معنى السعادة فى ظلالها، وشرط ذلك فى أدب الإسلام أن لا يجافى الحقيقة، وأن يكون بقدر. قالوا يا رسول الله، إنك تداعبنا، قال: إنى لا أقول إلا حقا وأتى رجل إليه- صلى الله عليه وسلم- فقال: يارسول الله، احملنى، فقال-صلى الله عليه وسلم- «إنا حاملوك على ولد ناقة».. قال: ما أصنع بولد الناقة؟ فقال صلى الله عليه وسلم- «وهل تلد الإبل إلا النوق؟».. وهكذا أجاب- صلى الله عليه وسلم- الرجل إلى طلبه ومزح معه فى الجواب، حتى تساءل الرجل- ماذا أصنع بولد الناقة؟ أى لا يقوى على حملى، فكان الجواب لطيفا صادقا «وهل تلد الإبل إلا النوق؟». وكذلك قال- صلى الله عليه وسلم- لأنس: «ياذا الأذنين» فهذا مزح، ولكنه مزح لا يدخله الكذب، فكل إنسان له أذنان، ورسول الله- صلى الله عليه وسلم-صادق فى وصفه إياه بذلك. وأتت أمرأة عجوز إلى الرسول- صلى الله عليه وسلم-فقالت: يارسول الله، أدع الله تعالى أن يدخلنى الجنة فقال: يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز، فولت تبكى، فقال: أخبروها إنها لا تدخلها وهى عجوز، إن الله تعالى يقول: «إنا أنشأنهن إنشاء فجعلهن أبكارا، عرباً أتراباً» والرسول- صلى الله عليه وسلم- فى هذا كله لم يقل إلا حقا، فمثل هذا المزاح تطيب به نفس المخاطب، وتكون المؤانسة. ولا يجوز الإفراط فى المزاح والمداومة عليه لأنه يشغل عن مهمات الحياة، ودنيا أخرى، ويؤذى الناس ويسقط المهابة والوقار.. وهذا الذى ورد فيه النهى «لا تمار أخاك ولا تمازحه».
الذى يظهر من الأحاديث أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان فى معظم أحواله لا يزيد عن التبسم، وربما ضحك أحيانا.. أما الاكثار من الضحك والإفراط فيه فإنه يذهب الوقار، وهو ما ورد النهى عنه «لا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب».. ويضرب لنا النبي- صلى الله عليه وسلم- المثل الأعلى فى أريحيته وحبه لأصحابه وخاصة مع النعيمان بن عمرو أشهر الأنصار بالدعابة، لا يترك منها أحدا ولا يراه النبي- صل الله عليه وسلم- فيتمالك أن يبتسم.. وربما قصد النبى صلى الله عليه وسلم ببعض هذه الدعابات لطمعه فى حلمه وعلمه بموقع الفكاهة من نفسه.
ففى يوم من الأيام جاء أعرابى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فدخل المسجد وأناخ راحلته بفناءه، فقال بعض الصحابة لنعيمان: لو نحرتها فأكلناها؟.. فإنا قد قرمنا إلى اللحم، ويغرم النبى صلى الله عليه وسلم- حقها فنحرها نعيمان.
خرج الإعرابى فرأى راحلته فصاح: «واعتراه يا محمد»! فخرج النبى يسأل: «من فعل هذا؟» قالوا: نعيمان فاتبعه النبى حتى وجده بدار ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب قد اختفى فى خندق وجعل عليه الجريد. فأشار إليه رجل ورفع صوته: «ما رأيته يا رسول الله» وهو يشير بأصبعه إلى حيث هو، فأخرجه رسول الله. صلى الله عليه وسلم- وقد تعفر وجهه بالتراب. فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «ما حملك على ما صنعت؟» قال: «الذين دلوك على يا رسول الله هم الذين أمروني!» فجعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يمسح عن وجهه التراب ويضحك.. ثم غرم ثمن الراحلة للإعرابى.
أخيراً.. إذا مزح محمد- صلى الله عليه وسلم- فإنما كان يعطى الرضى والبشاشة حقهما ولا يأخذ لهما من حق الصدق والمروءة. فكان مزاحه آية من آيات النبوة لأنه كان كذلك آية من آيات الإنسانية، ولم يكن بالنقيض الذى يستغرب من نبى كريم.









