- التعليم المصري.. ذاكرة النضال وصناعة المستقبل من رفاعة الطهطاوي إلى طه حسين.. حلم التعليم للجميع
بدأ العام الدراسي هذا الأسبوع، وأكثر من 25 مليون تلميذ وتلميذة في أنحاء الدولة أمام مدارسهم.
أمام إحدى المدارس في منطقة السيدة زينب، استمعتُ إلى زغاريد نسائية؛ أمهات سعدن بأن الأطفال كبروا ودخلوا المدرسة، وفي إحدى المحافظات، اصطحب ولي أمر ابنته إلى المدرسة على حصان، وسط هالة من السعادة، وأمام إحدى المدارس في القليوبية، استقبل المدير بالمزمار البلدي، وهو المدير الذي حاول المحافظ التسلط عليه وإحراجه، فأنصفه وزير التربية والتعليم ورد إليه اعتباره، وهكذا..ظهرت مظاهر البهجة والسعادة في مختلف المحافظات، وعبرت عن نفسها بعفوية وإنسانية تستحق الإكبار والتقدير.
العام الدراسي يعني المزيد من المجهود والمعاناة لدى الأُسر: متابعة الأبناء وتجهيزهم مبكرًا كل صباح، ثم متابعة الدراسة والدروس، ولكنها المعاناة والكفاح العذب والجميل؛ معاناة محببة لأنها من أجل الأبناء والبنات، والاهتمام والفرح ببدء العام الدراسي يكشفان مركزية التعليم وأهميته في وعي المجتمع المصري كله؛ وهو وعي عميق، قديم ومتجدد، ففي أعماق المواطن أن “العلم نور”.
التعليم.. بداية بناء الدولة الحديثة
حين بدأ محمد علي مشروع بناء الدولة الحديثة، كانت البداية لديه بالتعليم، وكان تعليمًا للنخبة، بحكم الظروف والبدايات الأولى؛ أفرادًا محدودين يتم اختيارهم من أبناء العاملين المحيطين بالوالي، ثم غلبت طبائع الأمور، وتم التوسع في بناء المدارس، وتعددت مراحلها ومستوياتها، حتى صارت لدينا فئة المتعلمين، طبقة «الأفندية». هؤلاء هم الذين قاموا على مؤسسات الدولة وهيئاتها، جيلًا وراء جيل، وهم الذين قادوا المجتمع المصري نحو التحديث، وسطع نور المتعلمين المصريين في المنطقة العربية برمتها، ومن هؤلاء خرج رفاعة رافع الطهطاوي، وعلي مبارك، وقدري باشا، وعشرات الأسماء من المتعلمين الذين قامت على أكتافهم النهضة الكبرى زمن الخديوي إسماعيل.
مقاومة «دنلوب».. وتمصير التعليم
ولما وقع الاحتلال البريطاني لمصر، حاول «دنلوب» فرض الطابع الإنجليزي على التعليم، خاصة في اللغة، بحيث لا تُستعمل اللغة العربية إلا في دروس الأدب العربي والدين الإسلامي، ولكن المصريين أصروا على أن يبقى التعليم مصريًا، فكانت جهود سعد زغلول، وهو ناظر «وزير» المعارف في مطلع القرن الماضي، لإعادة اللغة العربية لتكون لغة التعليم في المدارس، وكان ذلك نوعًا من مقاومة الاحتلال والمحتل، ثم كان تأسيس الجامعة المصرية بتبرعات عموم المصريين؛ بدأت التبرعات من مبلغ اثنين مليم، وصولًا إلى مئات وآلاف الجنيهات، ولم يكن لدى المواطنين من أبناء المحافظات، الذين تبرع كل منهم بعدة مليمات أو قروش، أي أمل أو فرصة للالتحاق بالجامعة، لكنه كان وعيًا بقيمة التعليم، وأنه مشروع وطني في المقام الأول، وكان اهتمام الدولة والحركة الوطنية المصرية بالتعليم عظيمًا، واعتُبر بداية للتحرر والاستقلال؛ التحرر من الجهل والتأخر، بتعبير ذلك الزمان، والاستقلال عن المستعمر.
الحزب الوطني القديم أسس بعض المدارس، والجمعية الخيرية الإسلامية فعلت ذلك، وغيرها من الجمعيات التي تبارت في تقديم تعليم جيد وطني، أي بعيدًا عن «نجلزة» التعليم، وبرسوم منخفضة جدًا، فضلًا عن التوسع في الإعفاءات.
مدرسة المعلمين.. صناعة المعلم المصري
يلفت النظر الاهتمام المبكر بمدرسة المعلمين العليا؛ كان هدفها تخريج معلمين متخصصين، وكان المتميز من خريجيها يُرسل في بعثة إلى إحدى الجامعات الكبرى. وأحد هؤلاء كان المؤرخ المعروف محمد شفيق غربال..ويحدثنا إبراهيم عبد القادر المازني، في قصة حياته، أنه كان يود الالتحاق بكلية الطب، لكنه لأسباب مالية ترك الطب واتجه إلى مدرسة المعلمين، إذ كانت المدرسة تدفع للتلميذ مكافأة شهرية قدرها ثلاثة جنيهات في السنة الأولى، ثم تصير أربعة في السنة الثانية وما بعدها..هكذا كانت الدولة جادة في الاهتمام بالتعليم وتمصيره. كانت بريطانيا تستعين بمعلمين إنجليز، وكانت الإدارة الوطنية تريد إحلال العنصر المصري مكانهم..وتطورت مدرسة المعلمين فيما بعد وصارت كلية التربية، ولدينا الآن عشرات منها.
معركة مجانية التعليم
وما إن تم بنجاح تمصير التعليم مجددًا، حتى كانت معركة المجانية. بدأت بمجانية التعليم الابتدائي، حين كان نجيب الهلالي وزيرًا للمعارف في مطلع الأربعينيات، ثم امتدت المجانية إلى التعليم الثانوي، لما كان الدكتور طه حسين وزيرًا للمعارف سنة 1950، وكان الدكتور طه حسين قد رفع شعاره الشهير: «التعليم حق لكل إنسان كالماء والهواء، وكان وزير المعارف يريد أن يكون التعليم مجانيًا حتى نهايته، أي في الجامعة أيضًا، وسانده رئيس الحكومة مصطفى النحاس فى ذلك، لكن الملك فاروق رفض، وكانت حجته أن الإمكانات المادية المتاحة لا تسمح بالإنفاق الكبير على الجامعة، وتحقق مجانية التعليم الجامعي في ظل ثورة يوليو، في عهد الرئيس جمال عبد الناصر.
ثورة يوليو.. التعليم حق للجميع
والحق أن ثورة يوليو قدمت للتعليم عدة أمور:
- الأول: أنها جعلت التعليم المدرسي إلزاميًا، أي تكون الأسرة ملزمة بإلحاق الطفل بالمدرسة، وهذا الحق للطفل صار الآن نصًا دستوريًا، وهو ما حد كثيرًا من مسألة التسرب من التعليم، وقلل عمالة الأطفال. كانت الأسر الفقيرة تدفع بالطفل مبكرًا إلى سوق العمل، دون أن ينال الحد الأدنى من التعليم.
- الثاني: مجانية التعليم العالي، بكل مراحله ومستوياته. وقد ترتب على ذلك التوسع في بناء المدارس وتأسيس جامعات جديدة، فكانت جامعة أسيوط سنة 1957، ثم توسعت الدولة في بناء فروع للجامعات الكبرى في المحافظات، مثل المنصورة وطنطا، ومع عهد الرئيس السادات كانت الطفرة في تأسيس الجامعات بالمحافظات، وفي عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي وصلنا إلى أن صار في كل محافظة مصرية جامعة رسمية أو حكومية، بكل أركانها؛ أي المكتبات والمعامل ومراكز الأبحاث والمستشفيات الجامعية، هذا فضلًا عن بناء عشرات الجامعات الأخرى: الأهلية التابعة للجامعات الرسمية، والجامعات الدولية والخاصة.
- الآن لدينا حوالي مليوني طالب وطالبة جامعيين، ولنتذكر أنه في العام الجامعي 1954/1955، قبلت الجامعات المصرية 5500 طالب، واعتبرت الصحف وقتها الرقم ضخمًا جدًا جدًا، وكان لدينا وقتها ثلاث جامعات فقط: القاهرة والإسكندرية وعين شمس.
150 ألف فصل جديد
وامتدت الإنشاءات، ولنقل إنها بدأت من التوسع الكبير في بناء المدارس، والأسبوع الماضي ذكر وزير التعليم محمد عبد اللطيف، في مؤتمره الصحفي، أن الوزارة أضافت في السنوات الأخيرة إلى المباني المدرسية حوالي 150 ألف فصل مدرسي، وهو رقم ضخم في ظل التكلفة العالية للإنشاءات، والمسألة ليست إنشاءات ومباني فقط. فكل مبنى يُقام، فصل مدرسي أو مدرج جامعي، يقتضي توفير عدد من السادة المعلمين والأساتذة، فضلًا عن الجوانب الإدارية والفنية الأخرى، من نظافة وصيانة دورية وغير ذلك، مثل أن يتم تجديد طلاء المدرسة والفصول والمقاعد المدرسية مع بداية كل عام دراسي.
التعليم.. جدل لا ينتهي
ومع كل خطوة خطوناها في مجال التعليم، كان هناك جدل حاد في المجتمع، ولما رفع طه حسين شعار «التعليم كالماء والهواء»، وجد معارضة حادة من بعض زملائه، تحت مقولة إن التوسع الكمي في التعليم سوف يؤثر على الكيف، وكانت وجهة النظر التقليدية ترى أن التعليم يجب أن يكون للصفوة المختارة، وليس لعموم الناس، وهي نظرة لا تبتعد كثيرًا عن نظرة لورد كرومر للتعليم، حين عارض بشدة إنشاء الجامعة المصرية، حين بدأت الدعوة إليها.
ومن حسن الحظ أن الدكتور طه حسين وثّق لنا تلك القضية وما دار حولها من نقاش في كتابه البديع «جنة الحيوان»
المدرسة الحكومية تستعيد اعتبارها
في السنوات الأخيرة، كان التركيز الإعلامي على ما تسمى بالمدارس الدولية والخاصة؛ مرات تحت مسمى زيادة المصروفات بلا سند من قانون، ولكن تحت شعار أن الطلب يزيد عليها، ومن يشكو من أولياء الأمور يقال له بكل صفاقة: “اتفضل خد ابنك”، ومرة بالاحتفالات الضخمة والمبهرة، على طريقة مدرسة “الأستاذ رمضان مبروك أبو العلمين حمودة” في فيلم الفنان الكبير محمد هنيدي، إلى جوار هذا، كانت هناك عملية تجاهل تامة للمدارس الحكومية، والحديث عنها بصور مزرية، تحت بند الامتعاض من كل ما هو حكومي. وهكذا، حتى توحشت بعض المدارس الخاصة والدولية في التعامل مع أولياء الأمور، فاقت مصاريف بعضها مصاريف الجامعات الكبرى في العالم.
كابوس أخلاقي
وتمخض كل هذا عن كابوس أخلاقي، وتبين في العام الدراسي الفائت أن ثلاثًا من هذه المدارس ارتُكبت فيها جرائم أخلاقية بحق بعض الأطفال، اكتشفت أمٌّ الأمر بالمصادفة، ثم وصلت المشكلة، أو المشكلات، إلى القضاء، وصدرت أحكام قاسية، وصلت في أكثر من حالة إلى إحالة الأوراق إلى فضيلة المفتي، وكان آخر تلك الجرائم قيام صاحب إحدى المدارس بسحب قروض ضخمة بأسماء وصور بطاقات أولياء الأمور، وبعدها مباشرة وقعت مشادة محافظ القليوبية مع مديرة مدرسة ومدير مدرسة، وبعيدًا عما جرى، وما لا يصح منه وما لا يليق، فقد اكتشف الرأي العام أن هناك مدارس أخرى يكافح المسؤول فيها كي يؤدي رسالته العلمية، هؤلاء هم ملح هذه الأرض؛ يعملون بإخلاص، وفق الثقافة المصرية: «أن تحلل الجنيه الذي تتقاضاه من الدولة»، وأن تؤدي دورك ورسالتك التي كُلفت بها على أكمل وجه ممكن.
السيدة المديرة، وكذلك السيد المدير، كل منهما في مدرسته، بعيدًا عن عين الوزير والإعلام، لكن هناك ضمير حي لدى كل منهما، عين الله تراه، ثم يُرزأ كل منهما بمسؤول كبير لم يدرس جيدًا اختصاصه وحدود تدخله، ولا خبر التقاليد الإدارية، ولا ألمّ بالقواعد السياسية في النزول إلى مواقع العمل وآداب التخاطب مع المرؤوسين، حتى آداب الحديث مع سيدة..ذهب المسؤول متعاليًا على هؤلاء الطيبين، بنظرية تسلطية مفادها أن كل من هو أدنى منك وظيفيًا مقصر ومخطئ.
ليس هذا فقط، بل إن المقصر، في عرف تلك المدرسة، لا يُحاسب بالقانون واللوائح ليثبت أولًا عليه التقصير؛ يتم تجاهل القانون، ويكتفى بالتوبيخ والصراخ، من أسف أن من فعل ذلك أستاذ جامعي، أي المفترض أنه أدرى بالعملية التعليمية.
لكن رب ضارة نافعة؛ أعاد المجتمع اكتشاف المدرسة الحكومية، ورد الاعتبار إليها.
مَدْرَسة لا تضاعف المصاريف سنويًا، ولا تطلب المصاريف بالدولار، ولا يعتدي عامل بها على طفل ويهدده بالمطواة في مخزن لا تعرف عنه الإدارة شيئًا، كما لا يسرق صاحب المدرسة بنكًا تحت مسمى قرض، بصورة بطاقة ولي الأمر.
المجد للمدرسة الحكومية «الأميرية»









