ظهرت حروب الجيل الرابع التى تستهدف إسقاط الدول من الداخل وتقسيم المجتمعات فى أواخر ثمانينيات القرن الماضى وتعتمد على استخدام الإعلام والثقافة والاقتصاد للضغط على الدول، بهدف تدمير الروابط الاجتماعية والثقة فى مؤسسات الدولة وإحداث انهيار ذاتى للدولة دون تدخل عسكرى مباشر.
أما حروب الجيل الخامس فظهرت فى بدايات القرن العشرين وتعنى استخدام الفضاء السيبرانى والذكاء الاصطناعى وتحليل البيانات الشخصية للأفراد لاحتلال عقولهم وتوجيه إدراكهم لخلق انقسامات فى المجتمع وإحداث استقطاب حاد باستخدام وسائل التواصل الاجتماعى والهجمات السيبرانية على البنية التحتية للدولة، ونشر الأخبار الزائفة.
وتستغل كتائب الذباب الإلكترونى آلاف الحسابات الوهمية والتى تمت برمجتها آلياً لإطلاق هاشتاجات معينة ضد الدولة وبكثافة لإيهام الأشخاص بأن هذا الهاشتاج يحظى بقابلية وتأييد كبيرين لدى عدد كبير من الشعب على غير الحقيقة، بهدف بناء إجماع شعبى زائف لتشويه سمعة الدولة أو الحكومة أو بث الإحباط فى أنفس الناس ضد الدولة.
أيضاً يتم استخدام الذكاء الاصطناعى فى إنشاء مقاطع فيديو بصور وأصوات مفبركة لشخصيات معينة ومسئولين بهدف تشويه هذه الشخصيات وهؤلاء المسئولين وحديثاً عمل ما يسمى انفوجراف باسم وصورة الشخص أو المسئول ونسب تصريحات كاذبة إليه مما يشحن الناس نفسياً ضده وتتوالى التعليقات المضادة لهذا المسئول أو تلك الشخصية.
ولمواجهة هذه الحروب يجب اعتبار الفئة المستهدفة من هذه الحروب فئة «أولى بالرعاية» والاهتمام والاحتضان والاحتواء والمصارحة والمكاشفة، فكل الدراسات اكدت أن أكثر الفئات استهدافاً بهذه الحروب فى اى مجتمعات هى فئة الشباب لأنها سريعة التأثر بما تجده على وسائل التواصل الاجتماعى، بالإضافة إلى فقدان الكثيرين منهم لدرجة من الوعى تساعدهم على فرز الغث من السمين، لذلك يكونون الأسهل والأسرع استهدافاً بحروب الجيلين الرابع والخامس.
ولهذا فإنه يصبح من الضرورة والأهمية بمكان استهداف فئة الشباب من طلبة المدارس والجامعات والعاملين فى مؤسسات الدولة المختلفة من سن الخامسة عشرة مثلا حتى سن الخامسة والثلاثين بحملات توعية مكثفة مهما كانت تكلفتها، ولمدد زمنية طويلة دون توقف، لأن حملات استهداف الوطن ينفق عليها الأعداء المليارات ولا يتوقفون.
يأتى فى مقدمة احتياجات المرحلة الحالية وضع مادة جديدة ضمن المناهج الدراسية والجامعية عن الوعى التكنولوجى والرقمى وكيفية التعامل مع الشائعات والأخبار الزائفة على وسائل التواصل الاجتماعى، وحبذا لو تم اعتبار هذه المادة مادة نجاح ورسوب، لأنها لا تقل أهمية عن المواد العلمية ذات النجاح والرسوب.
ثم يأتى دور رجال الدولة من وزراء ونوابهم ومسئولين كبار بحيث تكون هناك حصص أسبوعية فى المدارس ومحاضرات أسبوعية فى الجامعات ولقاءات أسبوعية فى المصالح ومؤسسات الدولة لشرح الحقائق للشباب وتفنيد الشائعات واستعراض الانجازات التى شهدتها الدولة المصرية بكل القطاعات خلال السنوات الماضية، مع اعتبار هذه الحصص والمحاضرات واللقاءات مهمة أمن قومى تستهدف الحفاظ على النسيج المجتمعى والأمن القومى المصرى.
إن تنظيم زيارات لهؤلاء الأطفال والشباب إلى المشروعات القومية الكبرى لا تقل أهمية عن حضورهم لحصص الفصول ومحاضرات الكليات، ففى هذه المشروعات سوف يرون بأنفسهم وعلى أرض الواقع ماذا يحدث فى مصر وماذا تفعل الدولة، ويكونون مسلحين بالردود على أى محاولات لتشويه إنجازات الدولة المصرية أو بث شائعات بهدف تضليلهم أو التأثير على إدراكهم، وشحنهم ضد وطنهم.
ويتواكب مع ذلك أهمية تنظيم دورات لمدة ستة أشهر بالأكاديمية العسكرية لشباب الصحفيين والإعلاميين حتى تصل الرسالة الإعلامية للجمهور المستهدف مكتملة ومحققة للهدف المنشود منها.
وأخيراً فإن الدولة تكفل حرية التعبير والإبداع، ولكن أن تشذ هذه الحرية وذلك الإبداع ليصل إلى درجة تمثل خطورة على فكر ووعى المواطنين، ويهدد أمن واستقرار الوطن، فهنا لابد من وقفة، فلا حرية مطلقة بلا حدود، ولكن حرية مسئولة، فاهمة، واعية، مدركة لخطورة المرحلة التى يمر بها الوطن، وقديماً قالوا «أنت حر، مالم تضر»، فلا إبداع بلا خطوط حمراء، فالأمن القومى، والأمن الاجتماعى والأمن الاقتصادى، والقيم والأخلاقيات والأداب العامة كلها خطوط حمراء، يجب ألا يتجاوزها اى نوع من أنواع الحرية أو الإبداع.
فى الوقت نفسه أصبح على كل رب أسرة أن يعيد ترتيب أولويات اهتماماته داخل الأسرة، لتكون توعية أبنائه بالمخاطر التى تواجهها الدولة المصرية والنسيج الاجتماعى المصرى وكيفية التصدى لها فى مقدمة أولوياته، التى ربما تأتى قبل توفير الطعام والشراب والملبس لهم.









