عانت مصر طويلاً فى قضية الحفاظ على تاريخ رجالها وكذلك علمهم، إذا قمنا بالبحث عن تاريخ بعض السير فى فترات طويلة حتى فى عصورنا القريبة فقد تعانى فى الحصول على تفاصيلها.
هذا الأمر انتبه إليه الإمام الشافعى حين وجد علماً كثيراً للإمام الليث بن سعد عالم مصر وفقيهها، لكنه لم يجد له تلاميذ حفظت له هذا العلم بالكتابة وراءه أو بالإملاء منه.. قد يكون الليث وغيره لم يهتموا بالإملاء، لكن التلاميذ لم يكتبوا أو يسجلوا بعده.
وربما هذا الأمر الذى جعل الإمام الشافعى يحتفى بتليمذه الربيع بن سليمان بن عبدالجبار بن كامل المرادى «أبومحمد المصرى» المؤذن فكان يقول له: «لو استطعت أن أطعمك العلم لأطعمتك»، لكن الربيع نفسه الذى روى كتب الشافعى وحفظها عنه ونقل عنه الحديث والفقه لم يهتم به أحد ويحفظ له سيرته، رغم أن الرجل كان بمثابة منارة علم يتجه إليها طلاب العلم من كل مكان يأخذون عنه علم الشافعى ومذهبه الذى كان بمثابة فتح جديد فى علم الأصول والفقه وغيره من العلوم الإسلامية.
ولد الربيع سنة 174هـ فى مصر، وفى العام نفسه ولد زملاء له من تلاميذ الشافعى وعلماء مذهبه وهم: اسماعيل بن يحيى المُزَنى، وبحر بن نصر.. فقد ذكره الإمام السبكى بقوله: «كان مؤذنا بالمسجد الجامع بالفسطاط»- يقصد مسجد عمرو بن العاص- وكان الشافعى يحبه وقال عنه: «ما خدمنى أحد قط ما خدمنى الربيع بن سليمان» كما قال عنه الشافعى أيضا: «الربيع روايتى»، ويذكر الربيع نفسه علاقته بالشافعى فيقول: «دخلت على الشافعى رحمه الله عند وفاته وعنده البويطى والمزنى وابن عبدالحكم كلهم تلاميذ الإمام، فنظر الينا ثم قال: أما انت يا أبا يعقوب- يعنى البويطي- فتموت فى حديدك، وأما أنت يا مزنى فستكون لك فى مصر هنات وهنات ولتدركن زمانا تكن فيه أقيس أهل زماناً- يقصد أكثر الفقهاء قدرة على قياس المسائل الجديدة على ما سبقها- من مسائل أفتى فيها فقهاء وكان لرسول الله وصحابته رأى فيها، أما أنت يا محمد- يعنى ابن عبدالحكم- فترجع إلى مذهب مالك، وأما أنت يا ربيع فأنت أنفعهم لى فى نشر الكتب، قم يا أبا يعقوب فتسلم الحلقة.. قال الربيع: فلما مات الشافعى صار كل إلى ما قاله- يقصد الشافعي- كأنه ينظر إلى الغيب من ستر رقيق.
الربيع بن سليمان يختلف عن الربيع الجيزى وكلاهما عالم رفيع وإذا ذكرت الكتب الربيع دون إضافة أو وصف، فالمقصود يكون الربيع بن سليمان، أما إذا قصد المؤلف أو الذاكر فهو الربيع الجيزى.









