كعادتى، جلست مع صديقى الصدوق على مقهى فى حدائق حلوان، نتحدث كثيرا فى كل شىء تقريبا.. من أحوال البلد إلى أحوال الناس، ومن ذكريات زمان إلى حكايات المهنة التى لا تنتهى.
انتقل بنا الحديث إلى سؤال يبدو بسيطا، لكنه فى الحقيقة يحكم كثيرا من تفاصيل حياتنا العملية: متى تصبح السنوات خبرة؟ وهل كل من تقدم به العمر أو طال به البقاء فى الوظيفة أصبح بالضرورة أكثر كفاءة؟
الحقيقة أن الأقدمية قيمة، لكنها ليست كفاءة.. والعمر خبرة محتملة، وليس مؤهلا لشغل منصب.
فالخبرة لا تقاس بعدد السنوات التى قضيتها فى مكتب، وإنما بما تعلمته خلالها، وما أضفته، وقدرتك على فهم الجديد والتعامل معه. وقد يكون شخص قضى عشر سنوات فى مجال ما أكثر خبرة من آخر قضى ثلاثين عاما، إذا كان الأول يتعلم ويتطور ويجدد أدواته، بينما اكتفى الثانى بتكرار اليوم نفسه ثلاثين مرة.
لم تكن المشكلة فى الشخص، ولا فى عمره، ولا حتى فى عدد السنوات التى قضاها فى العمل.. المشكلة كانت فى أن السنوات تحولت إلى شهادة كفاءة من دون امتحان.
الأمر يمكن أن يتكرر فى بعض الأماكن مثلا قد يجد نفسه مسئولاً عن إدارة فريق كامل، فقط لأنه الأقدم، رغم أنه لا يواكب أدوات الأعمال الجديدة، ولا يعرف كيف تغيرت السوق، ولا يدرك أن الذكاء الاصطناعى والمنصات الرقمية أعادا تشكيل صناعة الدعاية من أساسها.
هنا لا تصبح المشكلة فى عمر المدير، وإنما فى أن عمره أصبح هو المؤهل الوحيد.
والأبحاث الإدارية تفرق بالفعل بين العمر والخبرة والأقدمية؛ فدراسة تحليلية واسعة وجدت أن الخبرة المرتبطة بالمؤسسة كان لها أثر إيجابى على الأداء، بينما لم يكن العمر وحده مؤثرا بعد احتساب الخبرة المرتبطة بالعمل. كما وجدت دراسة أخرى أن الخبرة كانت مؤشرا أفضل للأداء من العمر.
نحن لا نحتاج إلى حرب بين جيل قديم وجيل جديد، ولا إلى استبدال كل كبير بكل صغير. ما نحتاجه هو معيار واحد عادل: ماذا يستطيع الإنسان أن يقدم؟
فقد يكون الكبير أكثر قدرة وخبرة من الشاب، وقد يكون الشاب أكثر معرفة بأدوات عصره من مسئول قضى سنوات طويلة فى مكانه.
المشكلة تبدأ عندما تتحول الأقدمية من ميزة إلى حصانة، ومن خبرة يجب اختبارها إلى حق مكتسب فى المنصب.
وفى النهاية، لا يسأل العمل المسئول: كم سنة قضيت هنا؟ بل يسأله السؤال الأصعب: ماذا تعلمت خلال هذه السنوات.. وماذا قدمت؟









