هذه الحقيقة المؤلمة التى يعلمها جميع المصريين ويتأثرون بها.. نحن نعيش فترة زمنية شديدة الاضطراب.. حروب وصراعات وضغوطات على الصادرات والواردات وانخفاض فى احتياج العملات الاجنيبة واضطراب فى الأسعار وندرة فى مصادر الغذاء وانهيار عملات وطنية ومعاناة فى معظم دول العالم.. واقتصادات دول تتهاوى وصناعة عاجزة عن توفير المواد الخام وتصدير المنتجات وتدهور فى حركة الشحن البحرى.. هى بالتأكيد صورة قاتمة لعالم اليوم.
الحقيقة المؤكدة، أن مصر استطاعت بفضل قيادة سياسية واعية وتفهم شعبى للظروف والمعطيات العالمية أن تتجاوز معظم التأثيرات السلبية للأحداث الجارية.. فلم تشهد نقصاً فى سلعة غذائية أساسية، ولم تشهد مشاكل اقتصادية تؤثر على مسيرة التنمية.. واستطاعت بفضل سياسات خارجية متوازنة أن تتجاوز الكثير من تداعيات الأزمة العالمية.. بل إن الأمانة تقتضى الاعتراف بأن المواطن المصرى لم يتأثر كثيراً بما تأثر به المواطنون فى معظم دول العالم.
ورغم جهود الدولة لتقليل آثار الأحداث وتخفيف معاناة المواطنين، إلا أن قدراً من المعاناة مازال مستمراً.. ونقصد هنا المغالاة فى رفع بعض الأسعار بالقدر الذى أرهق ميزانيات الأسر.. الدستور أقر بأن النظام الاقتصادى فى مصر يجب ألا يتدخل فى تحديد أسعار السلع وترك التسعير لمعدلات العرض والطلب وفقاً لآليات السوق الحر.. وهنا نطالب بوضع قوائم بأسعار جبرية للسلع الأساسية التى لا تستغنى عنها أى أسرة ويمكن الاستغناء عنها أو تأجيل شرائها لفترات طويلة مثل اللحوم والدواجن وأجزاؤها والأسماك والبيض والخضروات والفاكهة والسكر والأرز والخبز، لأنها الغذاء اليومى لكل الأسر.. وعملياً لا يمكن الاستغناء عنها كلها.
قبل التعديلات الدستورية التى قلصت دور الحكومة فى تحديد أسعار جبرية للسلع.. كانت هناك لجان للتسعير تحسب تكلفة إنتاج السلع الغذائية وتضع تسعيرة مُلزمة للمنتج وتاجر الجملة وتاجر التجزئة لا يمكن التجاوز عنها.. وكنا نتابع حملات الرقابة على الأسعار لمعرفة مدى التزام التجار بالأسعار المحددة.. وكانت مخالفة أى تاجر لهذه الأسعار يعنى خضوعه لعقوبات صارمة قد تصل فى بعض الحالات إلى الإغلاق وغرامة مالية كبيرة.. ولكن الدولة لا تستطيع الآن فعل الأمر نفسه بفعل القيد الدستورى.. فكيف نتعامل مع هذه المشكلة التى أرهقت كاهل المصريين وجعلت أسراً كثيرة تعانى فى توفير احيتاجاتها الأساسية فى ضوء الدخل المتاح.
فليس معقولاً أن نجد سلعة تُباع بسعر فى أحد المحال وبسعر مضاعف فى محل آخر وبسعر يزيد على ثلاثة أضعاف فى محل ثالث.. وليس معقولاً أن تتفاوت أسعار الخضراوات والفاكهة من بائع إلى آخر ومن حى إلى آخر ومن مدينة إلى أخرى تفاوتاً مخيفاً.
فلماذا لا توجد تسعيرة استرشادية للسلع الأساسية لا تكون إجبارية ولا مُلزمة، ولكنها تساعد المواطن على معرفة الأسعار المناسبة لكل سلعة، فيشتريها من المحال التى تطرح سلعها بأسعار قريبة من الأسعار الاسترشادية ويتوقف عن التعامل مع التجار الذين يغالون فى تحديد أسعارهم؟!









