اليوم تبدأ رحلة عام دراسى جديد لنحو 27 مليون طالب وطالبة، ومع جرس المدرسة تبدأ أيضًا جولات المتابعة والتفتيش التى يقوم بها وزير التعليم والمحافظون وقيادات المديريات والإدارات التعليمية ولجان المتابعة؛ للتأكد من انتظام الدراسة واستقرار المنظومة التعليمية.
لكن ما شهدته الأيام الماضية من وقائع، كان أبرزها واقعة محافظة القليوبية، يفرض سؤالًا أكبر: كيف نتابع ونفتش ونؤمّن آلاف المدارس فى أنحاء الجمهورية بكفاءة، دون أن تتحول الزيارات إلى مشاهد محرجة للمعلمين والقيادات المدرسية؟
فى رأيي.. الإجابة تبدأ من «كود رقمى قومى لتفتيش المدارس».. فمصر التى تدير أكبر منظومة تعليمية فى المنطقة، بحجم مدارس يصل إلى 62,690 مدرسة، تضم أكثر من 677 ألف فصل ونحو 1.26 مليون معلم، لن يجدى معها الاعتماد على الزيارات والتقارير الورقية وحدها.
الفكرة ببساطة أن تكون لكل مدرسة بطاقة إلكترونية موحدة، تسجل آخر زيارة، والملاحظات التى تم رصدها، وما تم إصلاحه، وما تأخر، ودرجة الخطورة، وموعد إعادة التفتيش.
وتشمل قائمة الفحص كل ما يتعلق بسلامة الطلاب، من المبانى والأسوار والسلالم والنوافذ والكهرباء ومخارج الطوارئ وطفايات الحريق، إلى دورات المياه والمعامل والملاعب وأمن البوابات وحركة دخول وخروج الطلاب وخطط التعامل مع الطوارئ، إلى جانب المستوى الفنى المتعلق بالدراسة والالتزام بالخريطة الزمنية لشرح المناهج ومستوى الطلاب الدراسي.
ولا تكتفى المنظومة بإجابة «تم» أو «لم يتم»، وإنما يحصل كل بند على تقييم رقمي، مع إرفاق صورة أو مستند عند الحاجة، وتحديد المسئول عن معالجة الملاحظة والموعد النهائى لتنفيذها. كما تتيح المنظومة نافذة تفاعلية لإشراك أولياء الأمور فى التقييم ورصد ملاحظاتهم، ليكون المجتمع السند والحليف الأول للوزارة فى الرقابة والتطوير.
وهنا تأتى فكرة الألوان الثلاثة: الأخضر لمدرسة مستقرة وآمنة، والأصفر لمدرسة تحتاج إلى إجراءات تصحيحية خلال مدة محددة، والأحمر لوجود خطر مرتفع أو مخالفة جسيمة تستوجب تدخلًا فوريًا.
وهذه الفكرة ليست بعيدة عن نظم إدارة المخاطر عالميًا، فإنجلترا مثلًا تقدم نموذجًا مهمًا فى جعل التفتيش قائمًا على معايير وأدلة إلكترونية واضحة، مع متابعة المدارس التى تحتاج إلى تدخل. لكننا لا نحتاج إلى استنساخ تجربة دولة أخري، وإنما إلى صناعة نظام رقمى مصرى يناسب حجم منظومتنا.
تخيلوا أن يستطيع وزير التعليم النشيط، الذى نفذ بنفسه عشرات الزيارات الميدانية المفاجئة، معرفة تاريخ واحتياجات كل مدرسة بدقة قبل وأثناء زيارتها، وأن يتتبع مع المحافظين ومديرى المديريات، من خلال شاشة واحدة، المدارس الحمراء وأسباب تصنيفها، ومواعيد الزيارات، وما تم إصلاحه، ومن تأخر فى التنفيذ.
هنا تتحول المتابعة من رد فعل بعد وقوع المشكلة إلى إدارة استباقية للمخاطر، ويصبح التفتيش أكثر عدالة: الأحمر يحتاج إلى متابعة مكثفة، والأصفر إلى متابعة دورية، بينما يمكن تخفيف الزيارات الروتينية للمدارس الخضراء، مع استمرار الرقابة المفاجئة.
التحدى الحقيقى ليس فى زيادة عدد لجان التفتيش، وإنما فى تطوير طريقة عملها لتصبح أكثر ذكاءً.. عبر امتلاك عين إلكترونية لا تغيب، وبيانات لا تضيع، وإنذار يصل قبل أن تتحول الملاحظة الصغيرة إلى مشكلة كبيرة.









