إن أسوأ ما يبتلى به الفكر الحر هو اصطدامه بعقلية القطيع التى لا تملك سوى لغة الإقصاء والتطاول كلما لامس قلم محايد شيئاً من مقدساتها الوهمية. لقد كتبت مقالاً سابقاً حول جاهلية سيد قطب بعين الموضوعية والمنهجية
الأكاديمية، فخلصت إلى وقوعه فى أسر الجهل بأصول المناهج النقدية الموضوعية. وما إن جفت حبر الكلمات حتى انطلق آكلو لحوم الفكر من أبواق جماعة الإخوان وأتباعهم، لتمارس إرهابا معنويا، واغتيالاً للشخصية، وسيلاً
من الشتائم والاتهامات التى لا تنم إلا عن إفلاس معرفى وعجز تام عن مواجهة الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان.
حين تفشل الجماعات الأيديولوجية المغلقة فى تفكيك الفرضيات النقدية أو الرد على الأدلة التاريخية والنصية، فإنها تلجأ بالضرورة إلى شخص الكاتب. لم يقرأ هؤلاء ما كتبت بعقلية الباحث عن الحقيقة، بل قرأوه بعين المريد
المتعصب الذى لا يرى فى أى مراجعة نقدية لرمز من رموز جماعته إلا كفرا أو مؤامرة مدبرة. وكأن سيد قطب قد تحول إلى نبى معصوم لا يجوز مسه بنقد أو تقييم، متجاهلين أن التاريخ الإنسانى برمته لم يستثن بشراً من دائرة
المراجعة والنقد سوى الأنبياء والرسل. إن هذا التعصب الأعمى هو ذاته الذى يعيق أى نهضة فكرية، ويثبت يوماً بعد يوم صحة ما ذهبنا إليه من أن الفكر القطبى يعادى روح الحرية والعقلانية والبحث العلمى النزيه.
إن هجومهم لا يزيدنا إلا إيماناً بجدوى ما نقوم به. إنهم يريدون للمثقف أن يكون صدى لصوتهم، وتابعاً فى مركبهم الأيديولوجي، فإذا ما تجرأ أحد وخرج عن طاعة القطيع، وكسر أصنام التمجيد الأعمي، انقضوا عليه بسهام
التخوين والتقليل. ولعل أطرف ما فى الأمر هو سذاجة التبريرات التى يسوقها هؤلاء، فهم يظنون أن تكرار مقولات جاهزة حول عبقرية الرجل المزعومة تكفى لإلغاء حقائق التاريخ. لقد نسى هؤلاء أو تناسوا أن قطب نفسه مر
بتحولات جذرية وانقلابات فكرية كبرى جعلت من كتاباته اللاحقة صداماً صارخاً مع المجتمع، وهو ما يفسر ارتباكه المنهجى الذى رصدناه.
أما عن محاولاتهم البائسة لتصوير النقد على أنه «تطاول» على الدين والمقدسات، فهو تكتيك مكشوف وممجوج يلجأ إليه العاجزون دائماً لخلط الأوراق واستعطاف العوام. إنهم يصرون على جعل الشخص والفكرة كتلة واحدة لا
تتجزأ، بحيث يصبح نقد فكر سيد قطب أو تقييم أدواته هجوماً على الإسلام نفسه! وهذا تزوير فادح وخلط خبيث، فالإسلام دين الله الخالد، أما سيد قطب فبشر ضل الطريق عندما دعا إلى القتل والتنكيل بخلق الله واحتكر التحدث
باسم الدين وهذا هو الوجه الآخر للاستبداد الفكري. إن الرد الحقيقى على هذا التطاول الصبيانى لا يكون بالنزول إلى درك الشتائم الشخصية، بل بالتمسك أكثر فأكثر بالمنهج العقلانى والعلمى المجرد. إننا نخوض معركة وعى
كبرى ضد ثقافة الجمود الفكرى والتسليم الأعمى التى تحاول جماعات التطرف فرضها على المجتمع منذ عقود. وهم من خلال هجومهم المتشنج، يثبتون كل يوم أنهم غير قادرين على قبول الآخر، وأن شعاراتهم البراقة عن
الحرية والشورى تتهاوى فور أول اختبار حقيقى للنقد والمراجعة. إنهم يريدون مجتمعاً صامتاً يصفق للجهل المقدس، ولكن هيهات أن تستقيم الأمور على أهوائهم.
فليرم الرامون بحجارتهم، وليستمر المرجفون فى جوقة السب والشتم، فالتاريخ لم يصنعه قطيع المقلدين، بل صنعته الأقلام الحرة التى امتلكت شجاعة قول الحقيقة ولو كره المضللون. إننا ماضون فى طريقنا غير لاهين بضجيج
العاجزين ولا مكترثين بتهديداتهم الصبيانية. فالكلمة الحرة هى السلاح الأبقى فى وجه التسطيح الفكرى والاستبداد الأيديولوجي، وستبقى أقلامنا مرآة صادقة تكشف زيف الأدعياء وتزعزع أركان الأصنام الفكرية، حتى ينجلى
غبار التعصب ويشرق فجر الوعى الحقيقى فى سماء أمتنا.









