لا حديث في العاصمة الهندية نيودلهي إلا عن قمة البريكس التي تنطلق اليوم بمشاركة قادة الدول الأعضاء في التجمع الذي أصبح مثار اهتمام العالم، ويترقب الجميع اجتماعاته وما يسفر عنها من مخرجات ونتائج. شوارع العاصمة الهندية نيودلهي المكتظة بالسكان تزينت بلافتات الترحيب بضيوف القمة الكبار وأعلام دولهم بداية من مطار أنديرا غاندي مرورا بكل الميادين ومحطات الأتوبيس وصولا إلى قاعة بهارات باندا بام التي تستضيف الاجتماعات.
الاستعدادات الأمنية والمرورية ظاهرة فى كل مكان، تمهيدا لانطلاق القمة اليوم والذي تريد الحكومة الهندية أن يكون دون زحام في المدينة التي يسيطر على كل شوارعها اللون الأخضر بفضل الأشجار الكثيفة المحيطة بكل مكان لتجسد صورة مختلفة للهند وما تشهده من تطور وفي الوقت نفسه تساهم في تخفيف حرارة الجو المرتفعة والرطوبة العالية التي تفرض نفسها على الجميع، في نيودلهى التأمين مكثف ليس فقط في محيط مركز بهارات ماندا بام بل في كل أرجاء نيودلهي انتشار شرطي هادىء وتنظيم مرورى حاسم الجميع يتحدثون عن قمة مصيرية في وقت عالمي عصيب، والكل يعول على الاجتماعات التي ستعقد تحت شعار بناء الصمود والابتكار والتعاون والاستدامة وما ستسفر عنه من قرارات جديدة يمكن أن ترطب من حرارة الأجواء السياسية العالمية المشتعلة وتداعياته الاقتصادية الصعبة، وتمنح في الوقت نفسه مساحة مكاسب إضافية تزيد تثبيت التجمع عالميا وتوطد أقدامه كمنافس قوى يمكن أن يلعب دورا أكبر فى الاقتصاد العالمي يتناسب وحجم وإمكانات الدول الأعضاء.
بالتأكيد البعض من المراقبين يرى أن التجمع يستهدف من خلال القمة تعزيز التعاون الاقتصادي والعمل على الحد من هيمنة الدولار كخطوة تفتح مجالا أمام دوله للتنفس بعيدا عن الحصار الأخضر الخانق كما الرطوبة الشديدة في نيود لهي.

لكن المؤكد أن قادة التجمع وهم يجتمعون اليوم لا ينظرون إلى دور البريكس بهذا الشكل القاصر وإنما يتعاملون بنظرة موضوعية لا تقوم على الدخول في صراعات قد تؤدى في النهاية إلى مزيد من الحروب في عالم لم يعد يتحمل مزيدا من الخسائر التي يدفع ثمنها البشر، وإنما ما يريده قادة التجمع هو البحث عن كل مساحات مشتركة يمكن أن تدعم فكرة التعاون وتزيد قدرة الجميع على التنمية المستدامة، فهم لا يبحثون عن صدام مع أحد وإنما يتحركون سعيا إلى مسارات تكامل بينهم تحقق أكبر قدر من طموحات شعوب بلادهم في التنمية المستدامة وتحسين مستويات المعيشة.
الهند باعتبارها البلد المستضيف للقمة الثامنة عشرة تتحمل عبء تحقيق هذا التوازن في الرؤية وعدم تحويل قمة التجمع إلى عنوان للصراع أو للخلافات. خاصة وأنها دولة تتمتع بعلاقات جيدة مع جميع الأطراف، ولذلك تسعى أن تركز المناقشات على الملفات المتفق عليها مثل دعم وتسهيل التجارة البيئية، وزيادة يريدون ما هو أكثر من ذلك لكن التوقعات كلها تشير متاح في الحفاظ على مستوى العلاقات الحالية. التعاون الاقتصادي، وتخفيض تكلفة المدفوعات، وإيجاد بدائل متنوعة لتمويل المشروعات، مع البحث عن دعم أكبر للشركات الصغيرة، ورغم أن بعض الدول الأعضاء إلى أن إطار المناقشات لن يصل إلى حدود تتجاوز ما هو متاح فى الحفاظ على مستوى العلاقات الحالية.
مصر التي فرضت نفسها بقوة على المجموعة وانضمت إليها بإجماع أراء الأعضاء من خلال ما شهدته من نمو وتطور وما قدمته من مواقف تعكس جدارتها في عضوية فاعلة تشارك اليوم للمرة الثالثة على التوالي، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي سيلقى كلمة مصر اليوم أمام الاجتماع المغلق لقادة البريكس كما سيلقى كلمة أخرى غدا أمام الجلسة الموسعة. مصر في هذه المشاركة تبنى على ثوابتها الراسخة فهي وإن كانت تطالب بإصلاح النظام العالمي وإقرار سياقي دولي أكثر عدالة، لكنها أيضا داعمة للاتحاد الموضوعي للمجموعة والذي يقوم على التعاون من أجل التنمية دون أى نوايا لدخول صراعات فليس من سياسات وثوابت مصر الدخول في صراعات، بل السعي نحو السلام والاستقرار ودعم جهود التنمية الشاملة للجميع.
ولذلك فإن الهدف المصرى الواضح في «البريكس» وقمة اليوم بجانب التشاور السياسي مع الأعضاء هو البحث عن فرص جديدة للتنمية والمشروعات المشتركة عبر فتح نوافذ مختلفة للتعاون الجاد اقتصاديًا وسياسيًا وماليًا وثقافيًا.
المؤكد أن مصر التي تبنى سياستها الخارجية على فكرة التكامل والتعاون مع الجميع لم تنضم لـ البريكس كبديل لا تجاه آخر فليست هذه سياسة مصر التي لا تبنى علاقاتها بمنطق البديل وإنما بمنطق المسارات المتعددة والعلاقات المتنوعة التي تخدم في النهاية المصلحة الوطنية العليا في البريكس ليس بديلا لمصر عن علاقاتها الغربية أو مع واشنطن، كما أن علاقاتها مع القوى والمنظمات والتجمعات الأخرى ليست بديلا عن البريكس. ولهذا تميل مصر إلى أن يكون الحوار دائما هدفه تحقيق المصالح المشتركة، وتوسيع نطاق التعاون الاقتصادي والتنسيق بين دول التجمع.
مصر تبحث أيضا عن زيادة حجم التجارة البينية مع دول البريكس وفتح مساحات أكبر للاستثمار وجذب رؤوس الأموال، وأن تكون منطقة تلاق بين هذه الدول باعتبار موقعها المتميز وما تتوافر لها من إمكانات وبيئة جاذبة، وتنطلق مصر في هذا الاتجاه من إيمانها بالقدرات الضخمة لدول البريكس، والتي يمكن تنميتها بسهولة طالما توافرت الإرادات المتبادلة، ويكفى أن تقول إن هذه الدول التي تضم أكبر دولتين من حيث عدد السكان تمثل نحو 45% من سكان العالم على مساحة تصل إلى أكثر من ربع العالم، كما أن ميزانية التجمع الأساسية كما هو معلن من المؤسسات الدولية تتجاوز الـ 44 تريليون دولار وتسيطر دوله على نحو 28% من حجم التجارة العالمية.
كل هذا معناه أن أى مزيد من التعاون سيضاعف قوة التجمع، وإذا كانت الأرقام تقول إن حجم التبادل التجاري بين دول التجمع خلال 2025 بلغ نحو تريليون دولار، فهذا يعكس قوة دول البريكس ويؤكد أن بإمكانها مضاعفة هذا الرقم خاصة في ظل اتفاق العملات المحلية.
وعندما نقف عند الأرقام المصرية بشكل خاص في تعاملها مع دول البريكس، فسنجد أنها قابلة للزيادة فحسب ما أعلنه الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء فإن إجمالي التبادل التجاري بين مصر ودول التجمع خلال النصف الأول من هذا العام بلغت ما يقرب من 37 مليار دولار بمعدل نمو تجاوز الـ 25 بالمائة عن الفترة المقبلة العام 2025، وهو ما يعكس القدرة على زيادة حجم التبادل وهو ما تسعى إليه مصر بكل السبل. ولذلك فالاهتمام المصرى ليس فقط باجتماعات القمة وإنما باللقاءات الثنائية التي تتيحها القمة مع زعماء الدول المشاركة والتي ستكون فرصة للتشاور والنقاش السياسي حول القضايا الدولية والإقليمية وكذلك المناقشة العلاقات الثنائية وتطوير التعاون مع دول التجمع بما يتناسب مع الإمكانات التي تتمتع بها مصر الآن استثماريا واقتصاديا.








