دعني أخبرك بسرّ.. قد يبدو لك بسيطًا، لكنه في الحقيقة أحد أكثر الاختبارات البشرية رعبًا.. { نحن جميعًا نرتدي أقنعة»، نعم.. أنت وأنا وكل من تقابله فى الشارع، نرتدى قناعاً.. عندما نتحدث مع مديرنا، ومع من هم أعلى منا مكانةً، ومع من بيدهم أمرُ نفعنا أو ضررنا «والنافع هو الله» هنا تكون الابتسامة سهلة، والصبر متاحًا، والكلمات منتقاة بعناية فائقة، هذا ليس نفاقًا بالضرورة، بل هو غريزة بقاء. لكن الرعب الحقيقي – الذى لا يُصور فى أفلام السينما – يكمن فى اللحظة التى تخلع فيها هذا القناع، اللحظة التى تقف فيها أمام من هو «أضعف» منك، أمام العامل البسيط، أمام النادل فى المطعم، أمام الموظف الصغير الذى لا يملك من السلطة سوى قلمه، أمام من لا يملك ردًا على تعاليك سوى الصمت.. هنا وفي هذه اللحظة العارية، يُكشف المستور، هنا نعرف من هو «الوحش»، ومن هو «الإنسان».
تخيل معى موقفًا بسيطًا، رجلٌ مهم، صاحب منصب، ثرى، تتجه إليه الأنظار، كيف يتعامل مع من يخدمه؟ هل يحفظ له كرامته؟ أم يرى في وظيفته البسيطة مبررًا لأن يسلط عليه سياط لسانه؟
الحقيقة المؤلمة هي أن المال والسلطة مالكة مخيفة، إنها مثل عدسة مكبرة؛ لا تخلق عيوبًا جديدة، لكنها تكبر العيوب القديمة حتى تجعلها وحوشًا لا يمكن إخفاؤها، الإنسان الذى يشعر بالنقص فى داخله، يستخدم السلطة كعكازٍ ليدعم به هشاشته، فيسير متكبرًا على رقاب الآخرين ليشعر بأنه {طويل}. وقد جاء الإسلام، بذكائه الروحي الفريد، ليضع ميزانًا مختلفًا تمامًا عن موازين البشر الزائفة، قالها الله سبحانه وتعالى بوضوح لا يقبل التأويل: «إن أكرمكم عند الله أتقاكم».
لاحظ جيدًا.. لم يقل «أغناكم»، ولم يقل «أقواكم»، ولم يقل «أعلاكم منصبًا».. قال «أتقاكم»، والتقوى هنا ليست مجرد صلوات وصيام، بل هي «وعي دائم بالله» يجعلك تراقب سلوكك حتى عندما لا يراك أحد، وحتى عندما تكون بيدك القوة التى تمكنك من الظلم دون حساب.
نحن نعيش في مجتمع مهووس بالألقاب، نحدد قيمة الإنسان بـ «ماذا يعمل؟»، لا بـ «من هو؟»، هذه معادلة خاطئة وخطيرة.
المهنة ليست الإنسان، اللقب ليس الإنسان، والمنصب ليس الإنسان، هذه كلها أدوار مؤقتة، مثل ملابس يرتديها الممثل على المسرح، ثم يخلعها حين ينتهي العرض، قد تجد اليوم رجلًا يتكبر بمنصبه، وغدًا يجد نفسه في الشارع لا يملك منه شيئًا، قد تجد عاملًا بسيطًا، لا يهتم به أحد، لكنه في ميزان الله، وبمقياس الأخلاق، أثقل من جبل.
المال اختبارٌ قبل أن يكون وجاهة، والمنصب مسئوليةٌ قبل أن يكون امتيازًا، وهذه هي النقطة التي يغفلها الكثيرون، عندما تمنح السلطة لشخص، فأنت فى الحقيقة تمنحه «فرصة» ليثبت إنسانيته، لا ليثبت تفوقه.
ما أعظم أن يكون صاحب المنصب، أو صاحب المال، هو من يجعل من حوله يشعرون بقيمتهم؟ أن يجعل العامل يشعر بأنه شريك فى النجاح، لا مجرد أداة؟ أن يجعل الموظف الصغير يشعر بأن رأيه مسموع؟
إلى حساباتنا البنكية أو مسمياتنا الوظيفية.
كن إنسانًا.. قبل أن تكون مديرًا، كن رحيمًا.. قبل أن تكون قويًا، وكن ذلك الشخص الذي يترك وراءه أثرًا طيبًا فى قلوب من لا يملكون ردًا له سوى الدعاء.. لأنه في النهاية، حين تُسدل الستائر، وتنتهي المسرحية، ويُخلع المنصب، ويُنفد المال.. لن يتبقى سوى «أخلاقك»، وهي الشيء الوحيد الذى قد يشفع لك عندما تقف وحدك أمام السؤال الأكبر.








