من أشد التصريحات خطورة هذه الأيام، ما يردده وزير الأمن الإسرائيلى إيتمار بن غفير ووزير دفاع الكيان يسرائيل كاتس بشأن تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، ومكمن الخطورة هنا ليس فى إجبار سكان القطاع على ترك أراضيهم وبيوتهم فقط واحتلال غزة، ولكن فى أن تنفيذ هذا الكلام يعنى تصفية القضية الفلسطينية كلية وعودة المنطقة إلى حالة الحرب بمعناها الشامل ,مهما حاول الإسرائيليون خداع العرب والعالم وتبسيط جريمتهم «القذرة» ووصفها بالتهجير «الطوعي» لأن الواقع على الأرض يشير إلى أن خطة «كاتس وبن غفير» وحسب ما نشر بالصحف الإسرائيلية هى فى حقيقتها: تهجير قسرى وإجبارى للفلسطينيين من قطاع غزة إلى دول فى أفريقيا وأماكن أخرى على مدار سبع سنوات قادمة، تبدأ بتهجير 250 ألف فلسطينى فى العام الأول و1.1 مليون فى العام الثالث وصولا إلى تهجير 1.86 مليون فلسطينى فى العام السابع، بإختصار فإن الوزيرين الإسرائيليين يريدان تفريغ غزة من السكان الفلسطينيين واحتلال القطاع بكامله وإقامة قواعد عسكرية على أراضيه تتعارض مع اتفاقية السلام مع مصر وتهدد السلام فى المنطقة كلها.
***
هكذا هى الأوضاع التى خلفتها تحركات وجرائم قوات الاحتلال الإسرائيلى ليس فى القطاع ولا الضفة الغربية فقط، ولكن هناك فى الجنوب اللبنانى وفى سوريا وفى المشاركة فى الحرب ضد إيران وفى محاولة تقويض كل دول المنطقة، وهنا نتوقف عند بعض الملاحظات الجديرة بالتسجيل فى هذه المرحلة الخطيرة التى تمر بها المنطقة، من بين هذه الملاحظات أن دعم الولايات المتحدة المستمر لإسرائيل يعد أحد العوامل المهمة لبلوغ قادة إسرائيل لهذا المستوى من الغرور والصلف والذى يجعل الوزيرين «بن غفير وكاتس» يتحدثان عن خطتهما وكأنها أمر واقع لا مفر منه، أيضا صمت المنظمات الدولية عن الجرائم التى ترتكبها إسرائيل فى الضفة والقدس الشرقية واحتلال مقار وكالة الامم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونرورا»، ساهم هذا الصمت فى استفحال الغرور الإسرائيلى والإعلان كل يوم عن الخطوات التالية للجرائم الصهيونية بما فيها السيطرة على الضفة وتفريغ قطاع غزة من سكانه استعداداً لتصفية القضية الفلسطينية وطى قيدها، أما الملاحظة الثالثة فتتلخص فى ضعف ردود الفعل العربية والإسلامية واقتصارها عند وقوع أى جريمة إسرائيلية على الإدانة والرفض والشجب، فهذه اللغة انتهى زمانها وانتهى تأثيرها، خاصة وأن الجميع يعلم أن حكومة تل أبيب لا تعرف إلا لغة القوة، وأن تهديد الأمن الإسرائيلى هو السبيل الوحيد لردع قادة الاحتلال ومنعهم من جر المنطقة إلى منزلق خطير.
***
هذا عن الوضع فى المنطقة بشكل عام، ولكن ماذا عن مصر وسط كل هذه التطورات الدراماتيكية التى تفرضها إسرائيل كل يوم، وتثير التساؤلات حول مستقبل اتفاقية السلام الموقعة مع الكيان الصهيونى عام 1979، وحول الوضع فى سيناء وهل سيتأثر بعمليات التهجير القسرى التى تعمل إسرائيل على تنفيذها فى أسرع وقت، والإجابة هنا تكمن فى الفكر الإستراتيجى المصري، والذى يعتبر القضية الفلسطينية قضية العرب الأولى وانه لن يسمح بتصفية القضية مهما بلغت التحديات ـ أيضا فإن مصر ترفض السلوك الإجرامى الإسرائيلى فى غزة وتتعامل معه كمؤشر على احترام إسرائيل لمعاهدة السلام، ومن ثم فإن أى خرق لبنود المعاهدة بما فيها إقامة قواعد عسكرية إسرائيلية فى غزة قريبة من الحدود مع مصر، سوف يقابل بإجراءات رادعة ورسائل محددة تؤكد أن الأمن القومى المصرى خط أحمر، وأن أى تجاوز للحدود المصرية سيكون أثره بالغا على أمن إسرائيل وربما وجودها، وأن من مصلحة تل أبيب التمسك بالسلام والقبول بحل الدولتين، وإقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
***
تلك هى الحقيقة التى يجب أن تدركها اسرائيل والدول الداعمة لها ولكن المشكلة هنا أن مصر تكاد تكون الدولة الوحيدة فى المنطقة التى تواجه الصلف الاسرائيلي، فهناك للأسف دول بالمنطقة تعول على علاقاتها بإسرائيل دون النظر لما سوف يكون عليه الحال لو تمكنت الدولة العبرية من تنفيذ مخطط تهجير الفلسطينيين من غزة وتصفية القضية الفلسطينية، هناك أيضا دعم واضح ومستمر من الولايات المتحدة للكيان الصهيونى و»غض بصر» متعمد عن جرائمه المتكررة، ثم هذا الصمت الأممى «المطبق» الذى يشجع بدوره الاسرائيليين على تنفيذ المزيد من الجرائم دون أى اعتبار للقانون الدولى أو القيم الانسانية، ومن هذا المنطلق يمكن القول إن مصر ستواجه بمزيد من التحديات السياسية والاقتصادية فى الفترة القادمة نتيجه تصديها للمخطط الاسرائيلي، وأن هذه التحديات قد تصل إلى محاولة توريط مصر فى أحداث فوضى داخلية شبيهة بأحداث يناير 2011، عبر عملاء تل أبيب من جماعة الإخوان الإرهابية وغيرها من التنظيمات العميلة فى المنطقة، كما أن الأمور قد تتطور لتوريط مصر فى حرب شاملة تعيق مشروعات التنمية وتعيدنا إلى أجواء التوتر المزعجة، ومن ثم فلابد أن نأخذ حذرنا ونستعد للمواجهة وكأنها الآن وليست غدًا.








