فى ذكرى وفاة كاتبنا الكبير نجيب محفوظ.. فى 30 أغسطس 2006 عن عمر 94 سنة.. أى أنه غادرنا منذ 20 سنة.. لكن ذكراه باقية فى وجداننا مدى الحياة.. فهو مبدع من طراز أعظم كتاب العالم.. وليام شكسبير.. فالتشابه كبير بينهما.. كيف؟! ببساطة شديدة.. نجد أن شكسبير ومحفوظ استطاعا أن يتغلغلا داخل النفس البشرية.. كشفت صفاتها.. وسلوكها.. بل والدوافع وراء هذا السلوك.. ومازالت عباراتهما التى وضعوها على لسان أبطال روايتهما.. تعيش معنا هذه الأيام.. كلنا نتذكر عبارة.. حتى أنت.. يا بروتوس.. كرمز ودليل مادى على خيانة.. أقرب أصدقاء القيصر..
الذى احتضنه ورعاه وجعله قائد جيوشه.. ولكل النفس البشرية.. كما صورها شكسبير.. الناكرة للجميل والتى لا تعترف بالفضل لأصحاب الفضل.. حيث كان القيصر ينتظره.. لإنقاذه.. ظنًا منه أنه صديقه الصدوق.. بعد أن انقض عليه جميع قادة جيوشه وطعنوه.. بسيوفهم.. ودخل بروتوس.. ليطعن القيصر.. هو الآخر.. ولكنها الطعنة القاتلة.. فهى من الصديق.. الطعنة التى أنهت على صديقه.. وتخرج آخر كلمات القيصر.. كاشفة إلى أى مدى كانت تأثير هذه الطعنة.. قائلاً: حتى أنت.. يا بروتوس!! ليخلد التاريخ هذه العبارة.. نرددها عند كل خيانة!! الأكتر من ذلك.. أن شكسبير جسد لنا عذاب الضمير.. فى شخصية زوجة ماكبث.. عندما أصرت على قتل الملك.. وهو فى ضيافتها وزوجها ماكبث.. قائد جيش الملك.. ولقد قررت التخلص من الملك.. حتى يصبح زوجها الملك.. وبالفعل دفعت زوجها بكل ما تملك من إقناع.. ليقتل الملك.. وفعلا قتله.. لتصاب الزوجة بمرض عذاب الضمير.. الكلام بصوت مسموع أثناء النوم.. فكانت تسير كل ليلة فى قصرها..
وهى تحكى قصة قتل الملك.. وكيف تخلصت هى وزوجها ماكبث منه.. وكاعتراف صريح بجريمتها.. الذى نقله الحراس والخدم.. ليصبح دليلاً مادياً قوياً على الجريمة.. روايات شكسبير.. تكشف حقيقة اليهود.. فى تاجر البندقية.. حيث كشف لنا إلى أى مدي.. يتعامل شيلوك التاجر اليهودى وهو مراب يقرض الناس بفائدة كبيرة.. صوره شكسبير.. بأنه صاحب قلب لا يعرف الرحمة.. وقد حصل على كراهية كل من يعرفه أو يتعامل معه.. شكسبير كتب هذه الرواية سنة 1594.. وهى تعكس ما فى داخل اليهودي.. من غل وحقد وكراهية.. فقد أجبر أنطونيو.. على كتابة إقرار لدى محام.. بأنه يقرضه 3آلاف ليرة..
مقابل أن يكون له الحق فى قطع رطل لحم من جسمه.. إن لم يرد النقود فى موعدها المحدد.. هكذا يصور لنا شكسبير اليهودى شيلوك.. سنة 1594.. كرمز واقعي.. تتوارثه الأجيال اليهودية.. منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم.. فقد وصفهم شكسبير بأن قلوبهم لا تعرف الرحمة.. هكذا اليهود.. فى كل العصور.. أما كاتبنا الكبير نجيب محفوظ.. فقد كشف فى كل أعماله عما فى داخل نفوس أبطال رواياته بعمق.. فكلنا نتذكر السيد عبدالجواد..
وكيف كانت شخصيته «سى السيد».. تجسد شخصية الأب طوال عمر كامل.. فى الثلاثية: بين القصرين وقصر الشوق والسكرية.. ونفس الشيء مع الزوجة أمينة.. المرأة التى لا تخالف زوجها أبدا.. وتتعامل معه بدرجة تكاد تصل إلى التقديس.. ونماذج الأبناء.. صورها محفوظ.. بكل دقة.. وبراعة.. وكأنه كان يرسم أدق تفاصيل ملامح شخصية ما فى داخل نفس كل واحد منهم.. أما أولاد حارتنا.. التى أثارت جدلا عنيفا.. فقد نشرها الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل فى جريدة الأهرام.. على حلقات.. ثم نشرتها دار الأدب من بيروت عام 1962.. ولم يتم نشرها إلا أواخر عام 2006 عن دار الشروق.. وقد تعرض محفوظ فى عام 1989.. للطعن وأصيب فى رقبتة من اثنين من المتطرفين أثناء خروجه من منزله.. لكن الله نجاه.. وقد صور لنا محفوظ فى أولاد حارتنا.. الصراع داخل الانسان بين الخير والشر.. وبين العدل والظلم.. وكيف قام الجبلاوي..
الواسع الثراء.. حيث يمتلك الحارة وماحولها.. كيف قام بتوزيع أملاكه.. بدون عدل بين أبنائه الخمسة: ادريس ورضوان وعباس وجليل وأدهم.. وتنشأ عداوة بين الإخوة.. ويسود الظلم ويسيطر الفتوات المستبدون.. على الحارة.. وتتعاقب الأبناء والأحفاد.. ويقتل الجبلاوى بالخطأ..
ويرفض محفوظ.. كل ما اثير عن أولاد حارتنا.. وقد ترجمت رواياته إلى الإنجليزية وتم إنتاج بعضها سينمائيا وهو أكثر أديب عربى أعماله تم نقلها على الشاشتين الصغيرة والكبيرة.. كتب نحو 23 رواية و20 قصة قصيرة.. أول عربى مصرى يحصل على نوبل عام 1988.. وتبقى الثلاثية وأولاد حارتنا والحرافيش واللص والكلاب.. أهم وأعظم أعمال محفوظ.. وقد اشترك مع شكسبير فى براعة تصوير ما فى داخل الإنسان.. من صراع حول الخير والشر.. وأيضا العدل.. والحرية ومسئولية الكبار عن الأجيال القادمة.. وهذا سر خلود أعمالهما.. ادعوا معى بالرحمة لنجيب محفوظ.. فى ذكرى وفاته.








